| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

النشر بين الإطلاق والتقييد

هل يمكن أن نقر مبدأ إجازة كاتب أو ناقد لعمل كاتب أو ناقد آخر من أجل نشره سواء أكان ذلك في دورية أو كتاب، أم أن في ذلك انتقاصاً ما من حرية التعبير وقيمة الكاتب ونوعاً من رقابة فنية على الإنتاج الإبداعي والفكري لا يقبلها الفكر والإبداع وقد تضر بهما؟! وهل يمكن أن ننظر إلى هذا الأمر على أنه إشكالية أم مشكلة تقتضي حلاً؟!

وهل كل كاتب يمكن أن يُرفع فوق تقويم مستشار الناشر الرسمي أم الخاص سواء أكان ذلك المستشار لجنة أم شخصاً، هذا إذا كان هناك أشخاص يرفعون كلياً فوق مستوى النظر في أعمالهم عند نشرها. وفي حالة حدوث ذلك ألا تغري حالة التمييز تلك بعض الكتاب بالاعتراض والقول: هناك أشخاص فوق الغربال وأشخاص تحته؟! لا سيما إذا كان الكاتب لا يملك دار نشر خاصة به يكون هو صاحب الرأي الأول والأخير فيما تنشره إذا كانت الرقابة ملغاة كلياً!.

كل تلك أسئلة تلقي نفسها على الكاتب والناشر والناقد والمسؤول في الحقل الثقافي، وهي تتصل بصورة ما بموضوع حرية التعبير. وإذا كانت هذه القضية لا تطرح نفسها بحدة في بعض المراحل الزمنية أو في بعض البلدان، فهي قضية ضاغطة في أزمنة ومراحل وبلدان كثيرة، تقتضي مناقشة وحسماً بالوفاق والاتفاق أولاً وبحكم الضرورات التي تقتضيها مصلحة الفكر والحرية وسلامة المجتمعات وحكمة السياسات. ولا بد من حلول في نهاية المطاف، حسب طبيعة النظرة للموضوع سواء أكان مشكلة أم إشكالية.

في تقديري أن فحص إنتاج ثقافي ما هو عمل بشري قائم يكتسب مشروعية من مؤسسات تشريعية، والناقد أو المقوّم أو الفاحص للإنتاج الثقافي هو قارئ من نوع خاص، وربما قارئ متفوق يملك إمكانيات وأدوات قد تضاهي أدوات منتج الثقافة أو تفوقها في بعض المجالات. ولما كان أي إنتاج ثقافي عندما يطرح على "الآخر" بعد الفراغ من إنتاجه هو مشروع رؤية ورأي يستدعي متفاعلاً معه ومحاوراً له ومتلقياً يقبله كلاً أو جزءاً أو يرفضه كلاً أو جزءاً أيضاً ويتواصل معه على نحو ما، ويستثير في ذلك المتلقي فكراً أو إعجاباً أو متعة ويدعوه إلى مشروع ما يقدمه منتِج الثقافة من خلال إنتاجه، فإن التواصل معه بحس نقدي أو تقويمي أو تحليلي أو تعريفي هو أمر واقعي وضروري، ويدخل في دائرة النشاط الإنساني المشروع. وهذا التواصل الواعي والهادف في آن معاً هو الذي يستخلص العبرة وينمّي الخبرة ويراكمها ويختط طريقاً للتقويم والتواصل الإبداعي والمثاقفة الواعية لأهدافها ووسائلها.

ولا أظن أن أحداً يعترض على هذا الأمر، ولكن الاجتهادات تقوم حول التفاعل والتواصل والتقويم والنقد والأسئلة. وتنصب الاعتراضات حول المناهج والأدوات والإمكانات التي يتطلبها دخول هذا المعترك في كل جنس أو نوع، واحترام عملية المثاقفة ومعايير الحكم والاحتكام والتقويم، واستخدامها استخداماً بناء يحرّض على الاستفادة من الإنتاج الثقافي ويسهل مهمة التواصل معه وفهمه وإدراك مراميه وتلمس قيمه الفنية وغير الفنية، كما يحرض المبدع على مزيد من العطاء وعلى الغوص في أعمق الأعماق لاقتناص درر يُعجب بها الناظر إليها والمستفيد منها والمستمتع بها.

ولكن هذا كله ينطبق على عمل رأى النور وأصبح بإمكان أكثر من متلقٍ ومجتهد ومقوّم وناقد الإطلاع عليه والتفاعل أو التواصل معه. فلا يوجد مشكلة أبداً في عصر ما قبل الطباعة، وفي عصر النسخ الخطي قبل أن تقوم الرقابات ودور النشر وقبل أن توجد المطابع والجهات الرسمية المعنية بشؤون الثقافة، أو بالأحرى أن تلك المشكلة كانت أخف وطأة بكثير على الكاتب والناقد والناشر والقارئ منها على كل منهم الآن.

فالمخطوط قديماً كان يستنسخ خطياً وتروّج منه نسخ، وإذا ما صودر أو قمع أو منع أو أحرق، فإنه إنما يصل إلى ذلك بعد أن يكون قد عرض على أشخاص وتداوله أولو رأي وكوّنوا منه موقفاً أو رأياً، أي أنه يكون قد رأى النور وسعى في طريق التواصل وأدرج في حيز الإنتاج الثقافي المتداول بنسبة ما.

أما في عصر الطباعة، وعصر دور النشر الرسمية وشبه الرسمية والخاصة ـ ولا أتكلم هنا عن المدونات والكتاب والكتابة في الوعاء الإلكتروني ـ  وفي عهد سلطة الناشر وسلطة الموزع وسلطة الرقيب وسلطة المقوم المستشار وسلطة و... فإن الإنتاج الثقافي يعاني من إشكالية أو مشكلة تتعلق بإمكانية رؤيته للنور وتواصله مع قطاع من القراء وأهل الرأي قبل أن يصدر عليه حكم قيمة من أي نوع وفي أي مستوى من تلك المستويات.

فالناشر الخاص في هذا العصر، مهما كان منفتحاً ومتحرراً وموضوعياً، لا يستطيع أن ينشر كل ما يقدم إليه من دون العودة إلى بعض المعايير ومن دون أخذ بعض الاعتبارات بالحسبان " سياسية ودينية واجتماعية". وهناك ناشرون يضعون مجموعة من الأهداف والضوابط والقيم والاعتبارات يفترضون تحققها في المخطوط أو يطلبون ذلك قبل إقدامهم على تبنيه ونشره.

وهم يقومون باتخاذ القرار بالنشر أو عدمه استناداً إلى قراءتهم للمخطوطات المقدّمة إليهم أو استناداً إلى تقارير مستشاريهم الخاصين حولها. وتبقى قراراتهم النهائية محكومة بالعامل الشخصي، وبرصيد الخبرة وبهدفهم النهائي من التعامل معها، كما أنها تبقى محكومة أيضاً بمراعاة توجهات واعتبارات خاصة بهم كأشخاص طبيعيين أو كهيئات ومؤسسات ودور نشر لها الشخصية الاعتبارية والأهداف. ولا يمكن استبعاد عامل الربح والمصلحة الخاصة من عمل الناشر الخاص.

وفي جميع الأحوال يصعب تنزيه الشخص الطبيعي بشكل عام عن الخطأ والهوى والانحياز تنزيهاً تاماً، كما أنه لا يمكن قولبة الذوق والرأي والحس الجمالي وتقعيد ذلك كله في معادلات باردة وجامدة ومتطابقة لدى كل الأشخاص عندما يتعلق الأمر بالإبداع والفكر والفن والذوق وبقضايا هي موضوع اجتهاد من جهة ومجال رياضة الفكر وتجليه وتجاوزه وتجديده وتنميته من جهة أخرى.

ومن الطبيعي أن يتدخل في تكوين ملَكَة الحكم لدى الشخص المعني بذلك عوامل منها نوع الثقافة التي تلقاها وعمقها وشمولها، وتجربته الشخصية، وقدراته المهنية وذوقه، وميوله السياسية وتكوينه الفكري، ومواقفه المبدئية، ومدى التزامه بالمعايير المنطقية والموضوعية وابتعاده عنها وقبوله بها أو رفضه لها.. وهذا كله يدخل في تكوين قرار الناشر أو مستشاره وفي تكوين رأي الناقد والمقوم وحتى القارئ النبيه.. ولا أتكلم هنا عن الإعلام الذي يخبط خبط عشواء في هذه الآفاق ويحتطب أكثره بليل.

وإذا كان للناشر الخاص -شخصاً طبيعياً كان أم شخصاً اعتباراً- الحق في أن يتخذ قراراً بالموافقة أو عدم الموافقة على نشر مخطوط ما لاعتبارات ومعايير قررها هو مسبقاً وبالطريقة التي اختارها، فإنه من الطبيعي أن يكون مثل هذا الحق ممنوحاً للمؤسسة شبه الرسمية والمؤسسة الرسمية اللتين تتعاملان مع الإنتاج الثقافي. بل إن القضية هنا تزداد تعقيداً إلى حد كبير، إذ تدخل السياسة وجهات التشريع والشرع طرفاً في وضع المعايير والضوابط ومراقبة تطبيقها والمحاسبة على ذلك، وقد تكون من بين تلك الضوابط والمعايير عوامل وتفاصيل يطلب مراعاتها وهي تتصل بالآني العابر من الأمور أو تتصل بإيديولوجية يراد لها أن تستقر أو تهيمن، وبرؤية سياسية أو قومية أو مذهبية مستندة إلى رؤية فكرية يُراد تطويع الفكر لها وجعل أهل الإبداع يتعودون عليها أو يتشربونها وينهلون منها.

وفي هذا الأمر من العَنَت ما فيه كما أنه يصطدم بعقبات لا حصر لها في مجال التطبيق تجعل عملية التقويم محكومة بالسير في طريق تضيق هوامشها أو تقصر وتكثر فيها المزالق والحفر والمنعطفات. وعندما يسند أمر اتخاذ القرار لأشخاص من مشارب فكرية وإبداعية متنوعة قد يختلفون مع تلك السياسة والتوجهات أو يتفقون معها وتصبح عملية الحكم مدخولة بعوامل أخرى، فوق تلك التي سبق وأشرت إليها عند الكلام على الناشر الخاص أو مستشاره، منها الموقف السياسي والأيديولوجي المعلن أو المستور، المتوافق مع السلطة السياسية صاحبة التوجيه أو صاحبة القرار أو المتضاد معها. وهذا كله يساهم في خلق مناخ تنمو فيه المراوغة والتقيّة عند اتخاذ القرار أو التوصية باتخاذه.

وإذا أضفت إلى هذا كله مشكلة ثالثة أو رابعة لا تقل تأثيراً، سلباً أو إيجاباً، عن كل ما سبقها وهي مشكلة المستشار المفروض أو المقترَح بالحق الجماعي فإنك عندها تدخل في غابة كحاطب ليل تخطئ أو تصيب من خلال تهاوي سواطير غيرك على سيقان شجر لا تراه وأنت مؤتمن عليه، وتستدعي منك مسؤوليتك ألا تصرّح أبداً باسم الحطّابين حتى لا تخرب العلاقة فيما بينهم من جهة وبينهم وبين الناس من جهة أخرى، فكل منهم شجرة وحطاب وساطور على نحو ما.

مما لا شك فيه أنه يصعب نشر كل ما يكتب من قبل دار نشر خاصة أو عامة من دون الاطلاع والعودة إلى معايير وأخذ رأي ثقاة يقل هواهم وخطؤهم وانحيازهم ولا ينعدم، ويُشهد لهم بالاطلاع والموضوعية والقدرة على إصدار حكم وإبداء رأي.

وعندما يستند قرار نشر مخطوط ما إلى:

- تقارير ذوي خبرة، اختارتهم جماعة مستعملة حقها الطبيعي في إطار ممارسة ديمقراطية أو أقرب ما تكون إلى الديمقراطية.

- وإلى معايير متفق عليها من الجماعة بشكل عام، في الخطوط العريضة على الأقل، أو نافذة بقانون.

- وبقرار جماعي من جهة معنية صاحبة قرار واختصاص.

- وأن توضع أسس لما يمكن تسميته استئناف الحكم أو القرار بشكل أقرب إلى المنطق العملي والموضوعية ولا أقول العدالة المطلقة.

فإنه يفترض، عند ذلك، أن يأتي القرار أقرب ما يكون إلى الإنصاف ومن ثم الرضا به.

ولكن هذا ما يطعن به دائماً انطلاقاً من مقولات واستناداً إلى اعتبارات منها:

- اعتراض المبدع أو منتج المادة الثقافية وواضعها في صيغتها النهائية -حسب رؤيته الخاصة طبعاً- على من يقوم إنتاجه أياً كان ذلك المقوم عندما يكون رأيه سلبياً، إلا في حالات قليلة ترتبط بتكوين نادر لمنتِج الثقافة وبالمكانة العالية لمقدمها.

- اتهام منتج الإبداع أو المادة الثقافية لمقوِّم المادة بالتحيز أو الجهل أو العجز عن استيعاب المادة، وغالباً ما ينتقص من أهليته للحكم، من دون معرفة به.

- شيوع اعتبارات التحيز والمحسوبية والوساطة والمعرفة والشللية..إلخ وما يجري في الغيَّابات “الكواليس" من أمور غير مقبولة.

- التذرع بالموقف السياسي من أو مع، وبالبعد أو القرب من مركز اتخاذ القرار، وبالعلاقة الشخصية، وما شابه ذلك من أمور.

وقليلة هي الحالات الموضوعية في تلقي القرار السلبي التي تحاول أن تعود إلى المخطوط أو إلى الذات لتعيد القراءة بجدية وموضوعية وتسليم بإمكانية وجود خلل أو ضعف أو خطأ.

أما من وجهة نظر المستشار الشخصي لشخص اعتباري أو طبيعي أو المستشار المختار من جهة تمثيل لقرار جماعي أو المسمى بقرار سلطة ما، فإن الأمور تختلف من حيث مقومات إصدار القرار وتسويغه والاعتبارات الداخلة فيه باختلاف الأشخاص والتكوين الثقافي والتوجه السياسي والموقف الإيديولوجي أو الشخصي، وكذلك بحسب الرؤية ضيقاً واتساعاً، والثقافة سطحية وعمقاً، والمنهج المعرفي ومقومات الحكم، وبحسب درجة يقظة الوجدان وحساسية ميزان الحكم. ولا يخلو الأمر عند بعض الأشخاص، من موقف شخصي ومزاج وتعصّب ما وانحياز ظاهر أو باطن أو تصفية حسابات، وكل ذلك يؤثر في اتخاذ القرار أو في التوصية باتخاذه.

وهذه الإلماحات إلى بعض الحالات والمواقف والاعتبارات والمعطيات تجعل المخطوط الذي يأخذ طريقه إلى النور -النشر- عرضة لأحكام قد تكون متضاربة ولقرارات قد تكون مشوبة بضعف أو خطأ أو خلل، سواء أكانت سلبية أو إيجابية. وهذا لا يعني على الإطلاق أن كل الأحكام هي كذلك وإلا فإن إلغاء الاحتكام إلى رأي وتقويم من أي نوع يكون مصدر الخطأ والخلل.. وهذا غير منطقي.

فهل نحن، والحالة هذه، مضطرون إلى عرض المخطوط الذي يسعى لأن يكون كتاباً على مستشار أو أكثر، بعد ما مر من إشارات وتلميحات إلى بعض مقومات مناخ الحكم وأساليبه أم أن الخير يكون في نشر المخطوطات دون العودة إلى استشارة أو هيئة ذات حق باتخاذ القرار.. والتقدم التقني يشير على تآكل مستمر وكبير في كل موضوعات الرقابة وأساليبها؟!

هناك اجتهادات طرحت نفسها على بساط الواقع من خلال التعامل منها:

1- اجتهاد يقول بإطلاق حرية نشر المخطوط أياً مكان، ومستند أولئك حرية التعبير وحرية النشر بإطلاق تام ومن دون قيود أو حدود.

ولكن من الذي يلزم ناشراً خاصاً بالنشر أو هيئة اعتبارية رسمية أو شبه رسمية بذلك، واستناداً إلى أية أسس؟ وهل يملك الكاتب سطوة أو سلطة من أي نوع في هذا المجال؟ وهل كل بضاعة رضي عنها صاحبها هي حكماً بضاعة ينبغي على الناس أن يرضوا بها؟!. وهل انعدم فعلاً تفاوت المستويات في الإنتاج الثقافي حتى بات من المتعذر تمييز إنتاج من آخر، وحق لكل منتج أن يعرض إنتاجه في سوق النشر دون ضابط قيمي- فني ـ مهني.. إلخ  من أي نوع؟!. وماذا يمكن أن نقول لدار نشر لا تقبل مخطوطاً إما لاعتبارات فنية أو فكرية أو تجارية؟! هل نلزمها بالنشر لأن صاحب المخطوط رأى أن مخطوطه أهل للنشر؟!.

وكيف نتعامل مع المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية في هذا المجال؟!. هل نلزمها لأنها أحق بالإلزام فهي مسؤولة عن نشر الثقافة وعن تشجيع النشر وحماية الإبداع والمبدعين، وهي تقدم خدماتها للناس لأنها غير مقيدة بقيود الربح والخسارة مثل الناشر الخاص، وهي أولاً وآخراً تنفق من أموال الشعب.. وبعضهم يتخذ من ذلك حجة في عدم استخدام أموال الشعب لنشر ما ينبغي ألا ينشر؟! وهل عليها في هذه الحالة أن تتحول إلى مجرد دائرة بريد بين من يكتب ومن يطبع وقد يجوز لها أن تضبط الدور فقط.؟!

2- اجتهاد يقول بمنح الكاتب المعترف به كاتباً، حسب ضوابط معينة -هي الأخرى عرضة للاجتهاد وللطعن والأخذ والرد وتدخل أصحابها في متاهة التصنيف ومن يملك أن يصنف عملياً لا نقدياً- منحه حق نشر ما يكتب دون العودة إلى مستشار ينصح بنشر إنتاجه أو بعدم نشره، ومن دون الحاجة إلى قرار من هيئة ما حول هذا الموضوع. وحجة أصحاب هذا الاجتهاد تستند إلى حرية الرأي وحرية التعبير والنشر وإلى ضابط رئيس ما يعترف بأن هذا الشخص تم الاعتراف به كاتباً حسب ضوابط.

وإذن فمن حقه أن ينشر ما يكتب، لاسيما إذا كانت الهيئة التي ينتمي إليها هي صاحبة دار النشر والصلاحية باتخاذ القرار في مجالاته.

وكل منع لنشر مخطوط من أي نوع في هذا المجال -حسب رأي أصحاب هذا الاجتهاد- هو نوع من التضييق على الكاتب وعلى حرية التعبير، ونوع من التعسف يقوم به كتاب مستشارون مختارون أو منتخبون، أو أشخاص يتخذون قرارات لاعتبارات "ديمقراطية ومسؤوليات وظيفية" ولكن قد لا يقر نتائجها الكاتبُ على الرغم من مشاركته في اللعبة ذاتها.

وهذا الوضع المقترح يحوّل مؤسسة النشر إلى بريد بين الكاتب والمطبعة أيضاً ولكن لأشخاص طبيعيين محددين حسب اعتبارات وروائز نظامية.

وهذا الوضع المقترح يستنبت على ضفتيه هو الآخر أسئلة وتساؤلات منها:

- هل كل ما ينتجه الكاتب المعتبر جيداً هو صالح للنشر وبالدرجة ذاتها من الاعتبار؟!

- وهل يخلو الإنتاج الثقافي عامة والإبداعي خاصة من فروق نوعية فيما بينه، تحدد أفضليات وأولويات حتى في مجال النشر آلياً وترتيبه مجرد ترتيب؟! وما هي المشكلات التي تنجم عن غياب ذلك المعيار الشكلي البسيط؟! وكيف يمكن تحديد ذلك إذا ما قررنا اعتماده؟ ألا يكون بالقراءة وإصدار حكم من أي نوع؟! ألا يطرح ذلك -فيما لو قام- مشكلة أو قضية أكبر ذات خطورة وذات ضرورة أيضاً، وهي تصنيف الكتاب ليتراتبوا في صفوف وأولويات على آلية النشر؟! وكيف يُحدد ذلك، ومن الذي يقوم به؟! وهل يمكن لدار نشر مهما كانت أرقام موازنتها أن تتحمل عبء نشر إنتاج مفتوح بلا حدود، لا ضابط له إلا قدرة المنتج على التحبير؟! وهل كل منتجي الثقافة ينتجون لوجه الثقافة والمعرفة وبدافع الإبداع وحرقة المعاناة، أم أن هناك من ينتج "ليضع على النار" كما يقول المثل العامي ومن ينتج لكي يضيف حطباً إلى النار؟! وكيف يتم فرز هذا الإنتاج عن ذاك، وحسب أية موازين ووسائل واعتبارات؟!

- وهل قطاع الإنتاج الثقافي معلق في الفراغ تماماً دونما اتصال بواقع اجتماعي واقتصادي وثقافي وسياسي ما، يفرض حضوره ومعوقاته وقوانينه وضوابطه وأساليب التعامل معه؟! هل نحن في الحلم أم في اليتوبيا خارج حدود الزمان والمكان.؟!.

- وهل يمكن أن نفلت مما هو قائم اجتماعياً وسياسياً من قوانين وضوابط، ومنها رقابات نحاول أن نخفف قيودها ووقائع تعامل مع ثقافة ذات خصوصية تقوم في محيطها وتنبت في أرضها، وتحاول أن تقاوم مخططات معادية، غازية أو ترمي إلى إفساد ثقافات الآخرين بالدس والتلفيق والاتهام ونشر السموم المختلفة ولها وسائلها في الوصول والحضور والاستقطاب والتأثير!!.

وإذا كان لنا مثل هذا الاختيار في مؤسسة نملكها جماعياً ونسيّرها ديمقراطياً، فكيف نتعامل مع مؤسسات رسمية مازالت في وظننا العربي والعالم الذي ينمو، هي التي تحمل عبء نشر الثقافة وتتحمل مسؤولية الأنفاق عليه، وهي محكومة بقوانين دولة، وباعتبارات مجتمع وسلطة، وبسياسات ذات هموم وشجون وفنون؟!

إن حرية التعبير حرية مقدسة، ولكنها مقدسة في وجود فعلي بين الناس، وهذا ينزلها من المطلق إلى الممكن، من الطبيعي إلى الوضعي، ومن المثالية إلى الواقعية، ويربطها آلياً بالمسؤولية القومية والاجتماعية، وبالانتماء لأمة وثقافة ومرحلة وعصر ومعطيات قيمية وإنسانية وحياتية تفرض نفسها على الناس والحياة ومن ثم على الثقافة والإبداع والفكر.

فكيف نتعامل مع ذلك، وكيف نحل ما يلقيه علينا من أسئلة، وما يطرحه من إشكاليات؟!

إنها قضايا وإشكاليات ومشكلات تحتاج إلى مزيد من الحوار والضوء.

دمشق في 11/5/2007

 علي عقلة عرسان

 

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |