| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

قيظنا السياسي

حلفان عسكريان في منطقتنا تجاوزا مرحلة التكوّن وانتقلا إلى التحرك والإعداد والاستعداد لمواجهات ساخنة وباردة من كل نوع، حلفٌ تقوده الولايات المتحدة الأميركية وتدخله " إسرائيل " من الباطن في شراكة مدنسة مع بعض العرب الذين لا قدرة لهم على قول لا لمن أصبح يتحكّم بقرارهم وبالمنطقة ومصيرها ولا طاقة لهم بما يزجون في أتونه من لهيب.. وحلفٌ يحدد عناصرَه وأطرافََه والداخلين فيه، ويملي وجودَه ويستدعي حضورَه الحلفُ الأميركي الصهيوني ذاتُه وقيادته التي لم تتوقف عن التهديد والوعيد والاستفزاز والحشد العسكري والسياسي والإعلامي والمالي..إلخ لتغذي صراعات في المنطقة وتجعل أهلها، كل أهلها، ضحايا يكتوون بنار الحرب ويدفعون فواتير التدخل الخارجي في شؤونهم وثمن احتلال أرضهم وديّة قتلاهم وتدمير حضارتهم. لقد حولت الإدارة الأميركية تحالف المعتدلين العرب الذي أنشأه الرئيس بوش إلى عسكرة حادة ـ  طائرات إف 22 وقنابل جي ـ دام الموجهة بالأقمار الصناعية وما إلى ذلك من عدة الموت والدمار المطوّرة وتمويل بمليارات الدولارات تتقاضاها أضعافاً مضاعفة ـ بعد جولة الوزيرين الأميركيين رايس وغيتس في المنطقة واجتماعهما بأطراف التحالف الموسّع في شرم الشيخ 31 تموز 2007. وفي رد فعل مباشر على ذلك تحول ما سُمي "محور المتطرفين" الذي صنف فيه المقاومون ومن يحضنون المقاومة ضد الاحتلال أو يتعاطفون معها، والرافضون للاستسلام ولهيمنة الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني على المنطقة، ولاحتلالهما بلداناً ومساحات من بلدان عربية وقرارات سياسية ومصيرية فيها؛ تحوَّل، بما يشبه الصدمة الحادة، إلى الاستنفار والإعداد الاستعداد لرد ما يمكن رده من الضربات المحتملة، وإلى التفكير بتحرّك ما يلجم موجات الدم والدمار والشر الأميركي ـ الصهيوني القادمة.

القيظ السياسي عندنا يشتد وينضِج  ثمارَ توافق حلف بوش العسكري الجديد على أمور تتصل بقضايا عربية مصيرية منها:

1 ـ تصفية قضية فلسطين بجوهرها وفروعها عبر " مؤتمر دولي " مسلح، وأسافين قوية تدقها الدولة الراعية والداعية له بين أفراد الشعب الواحد، واستبعاد أطراف في الصراع والقضية لا يستقر سلام من دونهم ولا يسكتون على بقاء أرضهم محتلة وتهميشهم مستمراً.

2 ـ وقضية العراق بمشكلاتها وأبعادها واستحقاقاتها وتبعاتها.

3 ـ  والموقف من إيران بحضورها "المرهوب" وغيابها "المطلوب"، لأن الإيرانيين، حسب مسؤول أميركي رافق رايس في جولتها، " يبدون موقفاً عدائياً تماماً تجاه بقية دول المنطقة" أما الأميركيون والصهاينة فلا يفعلون ذلك؟.. و " هناك قلق عام حيال التطلعات الإيرانية في المنطقة، خصوصاً بعد اختفاء نظام طالبان في أفغانستان وصدام حسين في العراق اللذين كانا يقفان عائقاً أمام التطلعات الإيرانية" كما قال ذلك المسؤول!؟ هل هي يقظة متأخرة وملطخة بالدم والعار؟ أم هي حالة تحريض وحرب بالوكالة على ما تبقى من علاقات بين أبناء الأمة العربية وإيران؟ أم تراها زلة لسان تذكر بما كان في قريب الزمان؟ 

القيظ السياسي يشتد وينضِج ثمارَ توافقٍ بحرية ـ صحراوية طالما أنتجتها بيئة شرم الشيخ وبقيت ملقاة بين البحر والصحراء تجف هناك على مهل، لكنها هذه المرة ثمار توافقٍ أملاه الثنائي الأميركي في المنتجع هناك على "المعتدلين العرب " الذين أُدخلوا في سُم الخياط ضمن تحالف عسكري "مبَستر" يعرفون أنه لا ناقة لهم فيه ولا جمل، ولا مصلحة لهم في أن يكونوا على حالة من العداء مع جيرانهم وأخوتهم في الله ولا مصلحة لجيرانهم وأخوتهم في الله أن يكونوا على عداء معهم بعد الذي كان والذي جرى، تحالف يدفعون له وفيه  ثمن العدد والتجهيزات والأسلحة والمعدات وتكاليف تخزينها وصيانتها والتدريب عليها ويدخرونها لتخوض الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بها وبهم حربهما على الأمة العربية وأبنائها وقضاياها وثرواتها، كما كان في حروب ماضيات ما زلنا ندفع ثمنها، فيجلب ذلك لبعضهم فرحاً أو يجرعون فرحاً من نوع خاص، تدمع له عيون الجميع لوعة على الذات والصلات والأشقاء والأهل والأخوة.. على الجغرافية والتاريخ والهوية والعقيدة والحضارة.. ومن بين الدموع يسيل لسان حالهم يقول مع أبي الوليد البحتري:

إِذا اِحتَرَبَت يَوماً فَفاضَت دِماؤُها      تَذَكَّرَتِ القُربى فَفاضَت دُموعُها

ولكن الأمة تتذكر بعد الاحتراب وبعد فيض الدماء.. وهي مهيأة اليوم لفرح من نوع خاص تتفوق فيه عل " أفراحها في العراق وفلسطين والصومال والسودان.. إلخ.. ولم لا نفرح ونحن محرومون من الفرح؟ لمَ لا نرقص كالديك مذبوحاً من الألم؟ إنه فرح من يتنازع لحمُهم مع دمُهم ويسقطون صرعى بأيديهم، وعلى الرغم من ذلك يستشعرون نصراً لمجرد وقوفهم في صف " المنتصرين"؟ يصدق فيهم قول القائل:

   إني أرى متنازعين تسوقُهم       عمياً إلى الأمد السحيق سخائمُ

لقد نُقلت تلك الثمارُ الناضجة تحت شمس شرم الشيخ إلى واشنطن لتعزيز موقف إدارة بوش وحزبه الجمهوري، وشخصه الرئاسي، وقراره الدموي باستمرار العدوان على العراق وتصفية قضية فلسطين، في ظرف انقسام الفلسطينيين وتضاغنهم، لكي يقوى موقف الرئيس في الداخل الأميركي أمام الكونغرس وأمام من بدأ يستيقظ ويسأل من الأميركيين عما ترتكبه إدارتهم من جرائم في العالم باسمهم.. وجاء نقل تلك الثمار عبر تصريح لروبرت غيتس وزير الدفاع الأميركي بعد اجتماع شرم الشيخ في 31/7/2007  تفوح منه رائحة المؤامرة والدجل والخداع، حيث أكد أن هناك قلقاً عربياً "حيال فكرة الانسحاب الأميركي المتعجل من العراق.. "فذاك".. يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة كلها" حسب ما قاله المجتمعون وما قرأه هو في وجوههم؟ وكأن الاحتلال الأميركي جلب الاستقرار إلى المنطقة أو أنه كان أحد عوامله وركائزه فيها؟ وكأن الولايات المتحدة توزع الأمن والخير والاستقرار في العالم مذ نشأت وليست معنية إلا بالتضحية من أجل الآخرين؟ وهي لم تكن كذلك في يوم من الأيام ولا في أي مكان من العالم!؟.

القيظ السياسي يشتد وترافقه سحبٌ من اللهب والغبار وحزمٌ من الحقد وترسانات من الأسلحة تتركز هنا وهناك، ولا أعتقد أن جرعة رايس ـ غيتس السياسية المخصَّبة بكمية من أملاح البحر الأحمر ويودِه الكثيف سوف تكون ذات مفعول سحري على الأميركيين ورئيسهم، لأنهم يشربون اليوم من مستنقعات دجلة والفرات المخضّبة بالدم والملوثة بالجثث المتفسخة، ويريدون الانسحاب من العراق أو إعادة انتشار قواتهم فيه لتلافي وطأة المقاومة ونقمة الشعب العراقي المتصاعدة ضدهم، وأسئلة شعبهم لهم. لقد أيقنت إدارة بوش بأن هذا لا بد أن يحدث بسرعة وهي تريد بعض الوقت ولا تريد التصرف بسرعة، ولذا فهي تبحث عمن يتشبث ببقائها مرحلياً ويناصر توجهها الحالي ريثما تتدبر الأمور "بصورة لائقة ومجدية" وبطريقة تبقيها مؤثرة وتخرجها " منتصرة" وتحفظ مصالحها وتحميها ولو جزئياً، وبما يبقيها لاعباً رئيساً في المنطقة والعالم لا سيما في مجالي الطاقة وتجارة السلاح والدم والموت. والوقت المطلوب الذي تسعى إدارة بوش لشرائه وتموه وتخادع من أجل الحصول عليه ضروري  لإشعال فتنة مذهبية تضمن من خلالها بقاء الكيان الصهيوني مهيمناً، وبقاءها مستثمراً لتلك الفتنة تُمِدها بما يبقي لهيبها مستعراً ويجعل وقودها أبناء المنطقة من عرب وإيرانيين على الخصوص، سنة وشيعة، معتدلين ومتطرفين، "مكافحين للإرهاب" ومقاومين للاحتلال.. لتنتشر الفتنة من بعد في العالم الإسلامي كله ويحقق جورج بوش " هرمجدّون" يسعى إليها منذ زمن، تدخله التاريخ من باب العار.    

القيظ  السياسي بدأ.. والكيان الصهيوني يستشعر الحاجة للحركة في هذا الحر الشديد، فدروس عدوان حزيران 2006 على لبنان مهماز في خاصرته، والأميركي اكتشف مقدار ترهل كلب حراسته الأمين لذا يريد متعاونين آخرين وذرائع ومساهمين في تمويل حرب أرهقته وأنهكته، ونفوذاً مستمراً ومصالح مصونة ونفوذاً لا بد من المحافظة عليه بأي ثمن..

ولكن القيظ الشديد لن يشوي جلود العرب والإيرانيين وحدهم فالشمس تشرق على الجميع.. لن يترك القيظُ العربي والإسلامي من بعض وجوهه الصهاينةَ يمارسون عنصريتهم وشرورهم وتدميرهم وتقتيلهم بأمان واطمئنان.. القيظ سوف يشوي جلود كثيرين، وسوف يوقظ ضمائر تكتوي بالنار ويحرك سواعد طالما كبلها الظلم والعجز والتواكل، وسوف يجعل ذلك كله أيام الكيان الصهيوني وأيام جنوده في تموز 2006 أياماً حلوة قياساً على ما سينتظرهم من أيام مرة طوال تبدأ بوجودهم محتلين وتنتهي بانعدام ذلك الوجود في فلسطين.

العرب المنتمون إلى المقاومة والممانعة وقيم التحرر والحرية والتحرير أكثر بكثير من أولئك المغلوبين على أمرهم وأصحاب المنافع والمصالح والحسابات الضيقة والمستأجرين لخدمة المحتل.. إنهم الشعب العربي الذي لم يعد يثق بالأميركي وأكاذيبه، واكتشف أنه والصهيوني شيئاً واحداً وأنه الذي يخوض حرباً مدمرة ضد العروبة والإسلام، ضد الهوية والحضارة، بدوافع متخلفة وبصور همجية متطرفة يغلفها بشعرات لم تعد تنطلي على أحد في العالم كله.

إن قيظنا الذي يطول ودمنا المطلول بعد كل أزمة ومحنة، يجعلنا نأمل أن تفوت الأمة، بشرفائها ومناضليها وحكمائها وأبطالها، على المعتدي المحتل ومن التحق به، عميلاً كان أم تابعاً، خانعاً كان أم طامعاً، أن تفوت عليه الفرص، لتبقى وحدة الهدف إن لم تبق وحدة الصف، ويجعلنا الخطر الداهم والمسؤولية العالية نتمنى أكثر وأكثر وأكثر.. أن يستيقظ كل عربي ومسلم وكل إنسان غفى، وأن يعمل على لجم الشر الأميركي الصهيوني  المنفلت من كل عقل ومنطق وقيمة وخلق وقانون وشريعة، قبل أن تسيل دماء كثيرة ويلحق بالعالم دمار أشد، وتعشش في النفوس أحقاد كريهة لعقود وربما قرون قادمة من الزمن لا سيما بين أبناء هذه المنطقة المبتلاة بالإمبرياليين والعنصريين وأبتاعهم،لأن من حق أهلها أن يستريحوا ويأمنوا من جوع وخوف بعد معاناتهم المرة من طول جوع وكثرة خوف.

دمشق في 3/8/2007

علي عقلة عرسان

 

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |