| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

قوانين الطبيعة.. وقوانين البناء

في الرياضيات والفيزياء، تقف القوانين والعلاقات الرقمية الدقيقة والمعادلات والنظريات لتشكل بمجموعها بيئة متسعة متماسكة لا يُسمح بمخالفتها أو نقضها ولا يجوز تخطي ما رسّخته من أسس ومعطيات، ولذلك يبني اللاحق من العلماء على هدي السابق منهم إلا إذا نقضه بعلم، وتنمو العلوم والمعارف وتنتج عن نموها زيادة مذهلة في التطور التقني والكشف العلمي والتقدم في المنجزات الهائلة التي جعلت من العقل البشري عقلاً معجزاً لما حققه من نتائج باهرة.

وقوانين الطبيعة هي أيضاً قوانين بناء وبقاء تفرض نفسها على الكائنات وتعاقب بقسوة لا نظير لها كل خروج عليها أو تجاهل لها، ويصطدم من يجافي منطقها بعقبات ترقى في مجال تخطيها إلى مستوى المستحيلات. وقد تمكن الإنسان في صراعه من أجل البقاء والتقدم من تطويع الطبيعة واستثمارها من خلال اكتشاف قوانينها والتعامل معها على أساس تلك القوانين والعلاقات بمرونة وحزم وإصرار.. وكل مكسب وانتصار حققه الإنسان على الطبيعة كان نتيجة اكتشاف تلك العلاقات والقوانين وتطبيقها واحترامها ومتابعة البحث في خفاياها في ضوء المنطق الذي أوصلته إليه التجربة والممارسة والرؤية الحكيمة.

وفي الحياة الاجتماعية وأوجه تنظيمها وتسيير أمور الناس فيها يضع الإنسان القوانين مستفيداً ممار سخه الإنسان عبر التجربة والعلم والمعرفة الإنسانية، والعلاقات والأعراف التي أنضجتها بيئة وظروف ومعطيات عيش وتعامل، ويحرص على وضع قيم وأفعال وأشخاص أحياناً في مرتبة القدوة والأنموذج الذي يحتذى، ويحث على التقيد بالقانون ووضع أسس ومعايير لتمييز الجيد من السيئ والمجيد عن المسيء فيكافئ المجيد ويرفع شأنه ويعاقب المسيء ويسفِّه فعلَه. وكل ذلك في سبيل رفع المثل الأحسن والقدوة الأفضل وترسيخ القوانين والقواعد السليمة وتطبيقها باحترام يؤدي إلى نمو الخبرة الإنسانية والاستفادة منطق الحياة والطبيعة وتجارب الإنسانية وخبراته الطويلة. ومن هنا تنشأ أعراف وتقاليد عمل ومعايير يتواضع الناس عليها ويعرضون عليها الأفعال والسلوك والأقوال والأشخاص. وتكون لأولي الرأي والحكمة والمعرفة قيمة في مجتمعاتهم وكذلك للمبرزين سواء أكان ذلك في ميدان الخدمة أو التضحية أو البطولة أو السلوك الحسن والفعل البناء والعلم والإبداع، ويحتل الشخص القدوة مكانة خاصة عن جدارة ويكون له احترام وتقدير وكلمة مسموعة ورأي يؤخذ به بناء على أسس ومعايير وعطاء ورأي موضوعي منصف.. وهكذا تنتصب أمام الأجيال منارات يُقتدي بها. وتحرص السلطات في الدول والمجتمعات التي تعرف ما تريد وتحسن السير في طريق الوصول إلى ما تريد.. تعرف كيف تطبق القواعد والأسس والمعايير التي تضبط السلوك الشخصي للأفراد وتجعلهم يلمسون في كل مراحل حياتهم وعند القيام بكل فعل بارز، سلباً أو إيجاباً، وجود قواعد ومقاييس ومعايير دقيقة ومثل وأعراف وتقاليد حساسة ومحترمة ومجتمع يشعر بقيمة كل عمل وبتأثيره على البنية الاجتماعية والحضارية، ويقدم لكل من يقوم بفعل أو إنجاز أو إبداع ما يستحقه من قيمة مادية أو معنوية ويحله المكانة اللائقة به وبعمله.

هكذا يشعر الفرد بقيمة الجماعة وبأنه أنه ضمنها مكفول ومنصَف ومراقَب وله مثل ما عليه من حقوق وواجبات، وأن ما يقوم به من أفعال وما ينجزه من أعمال وإنتاج وما يبذله من جهود ليس ضائعاً أو غائماً أو مرتهناً لمزاج مريض، وأن هناك علاقة وتناسباً بين الإنجاز والقدرة والموهبة والجهد وبين المثوبة والتقدم والاحترام والمكافأة والمكانة الاجتماعية والعلمية التي يقرها المجتمع، وأن العكس أيضاً صحيح. كما يشعر بأن للقوانين والمعايير والأعراف والعادات دور راسخ في بناء المجتمع والعلاقات وأن لكل رأي قيمة ولكل شخص مرتبة ومقدار. ويتمثل ذلك أو ينبغي أن يتمثل في السلطات التي يفترَض فيها أن تمثل مصالح المجتمع وتحرص عليها، وترعى الحقائق بقوة وإنصاف، وتضع حوافز مادية ومعنوية للتنافس البنّاء، وتحافظ على سلامة مناخ الإبداع والإنجاز في اندفاع حيوي ينميه تنافس شريف مقدَّر بموضوعية تامة يشعر به كل الذين يدخلون ميدان التنافس خدمة للوطن والأمة والتقدم العلمي والإبداع الحضاري والإنساني.

أما إذا ساء تطبيق القوانين وناقضت الأحكام الواقع والوقائع واختلت الموازين وكان صوت الغوغائية أعلى من صوت العقل والمنطق، وأصبحت الميليشيات هي الحاكمة بوسائلها وأساليبها المريضة المدمرة التي يرفضها المنطق وتجر على المجتمعات والدول والنهضة في كل مجال من مجالات الحياة دماراً وفساداً يؤدي إلى المزيد من الدمار، فإن الخطورة تكون عظيمة على كل بنية وبناء وبنّاء، على العلم والأدب والفن، على الإبداع والحضارية والعدالة، ويتهافت معها الإنسان القيمة وقيمة الإنسان.

تبدأ الأمور بالتهاون و"ترتقي" إلى الاستهانة وتنتهي بالاستهتار، ويتم تسخير المصلحة العامة للمصلحة الخاصة في مستويات حزبية وطائفية ومذهبية وشللية بائسة وشخصية متورمة، وينتهي هذا بترسيخ "مدرسة" ومنهج تضيع كل مخلص في عمله ومتمسك بقيم سليمة وخلق قويم، حيث تسود قواعد رأس " الحكمة فيها" مخافة الطغيان والقوة العمياء وامن لا يعرف الله والفضائل والقيم، ويحكم على كل ذي قيمة وعلى كل مخلص في عمله أو قويم في سلوكه أو مقتدر في أدائه وإبداعه وعلمه بأنه " لا يعرف كيف يدبر رأسه"، وتحل مقاييس " الشّطارة" بمعناها السلبي محل القوانين ومقاييس الأخلاق وقيم الإنتاج، وتحل العلاقات الشخصية المريضة محل المعايير وأسس... وتتجلى النشوة الظالمة بأبهى حللها لتزدهي بما هو الأسوأ من الأفعال والأحكام التي تراها انتصارات " الشطارة" على الأصول، فتدخل الدنس إلى النفوس وتحل ما حرمه القانون والعقل ومنطق التقدم والبناء.. ويسير الفساد ثملاً يسخر من كل الأخلاق والأعراف والقيم والقوانين السليمة في المجتمع.. وتبدأ عملية التسابق بين الناس للتلاؤم مع المعطيات الجديدة والتلاوم في حال الإحجام عن التعامل بمرونة تامة مع التنازل عن الكرامة والكذب والافتراء والدجل واستخدام القوة الغاشمة مع التحايل على القانون، والأخذ بكل ما يمكن من الوصول الغايات بعيداً عن سلامة القواعد والقيم والسلوك والمعايير. "الغاية تبرر الوسيلة" وإذا كانت الغايات دنيئة أو متدنية القيمة فإن كل شيء يسقط في مستنقع ضحل ينتج الوباء، وتصبح هناك قواعد سائدة لا علاقة لها بأي نوع من السلامة والصحة.

وفي هذا المناخ تهون على أشخاص كرامتهم ويغيرون جلودهم كل يوم ويمضغون الذل مرّة ثم يستسيغون مضغه ويدمنونه ويصبح مما يرفع الرؤوس؟.. ويضيع عبر هذا التيار علم وأدب وفن وإنتاج وإنجاز ورجال ونساء.. ويزحف خلق كثير على رؤوسهم وتضيع مجتمعاتهم وليس حقوقهم فقط ويختلط الحابل بالنابل.

والخطورة الأجدر بالالتفات إليها عندما تصل الأمور في مجتمع ما إلى هذا الدرك... تكمن في الكيفية التي سيكون عليها الآتي.. المستقبل.. إذ أن الأجيال تتربى في هذه الأوساط والبيئات متخذة أسس عملها وسلوكها وتعاملها وقدوتها ومثلها وقيمها من الأجيال التي سبقتها وممن تراهم "مثال النجاح" في المجتمع.. و"أهلاً للقدوة" في الحياة ممن يجسدون الواقع الحي المرفوع أنموذجاً يُتّبع... وتترسخ أساليب الحياة اليومية وأساليب الوصول إلى اللقمة والمكانة وسواهما مما هو ضروريّ أو كماليّ في الحياة من خلال  ما يراه الأبناء في الآباء، ومن يطلبون " النجاح" في الذين "بلغوه" بصرف النظر عن سلامة الأحكام الخلقية والقيمة والاجتماعية والثقافية العلمية.. أما الأحكام والأفعال والصولات السياسية فيبدو أنها اعتادت على أن تبقى خارج ذلك وتريد أن تنشر ذلك سلوكاً وأصولاً وعقائد سياسية.

وهكذا ينذر المستقبل بقسوة ومخاطر تكمن شدتها في أنها غير منظورة لمن يعيشون حاضراً بائساً ولا يرون إلا بعيون الفساد والإفساد، ولا يتوقف الأمر عند فساد الذوق والحكم والقيم والمعايير، بل تفسد الجبلَّة ذاتها. ويتردى الإنسان في تكوينه العام ولا يتوقف الأمر عند تردي الساسة السياسات.

إن كل الأمم الحية تحرص على فضائلها وقيمها وأخلاقها ومعاييرها وسلامة الإنسان والقيمة في بنيتها البشرية والخلقية، وتحرص أيضاً على أن ترى ذلك يتجسد في سلوك ومواقف وأحكام ن كل نو وفي كل مجال.. وتلقن الأجيال الموقف الحضاري المتصل بأخلاق وعلم وبناء ومقومات نهضة متكاملة وأحكام ومناهج حكم على الأشخاص والأفعال والإنتاج سليمة.. الأمة هي شخصيتها البارزة والمؤثرة في فعل حضاري متكامل يتفاعل مع حضارات العالم ومع العقل والوجدان والقيمة الروحية والمعطيات المادية في الحياة التي تشارك بها البشر.. كل البشر.

إن مما يؤسفني ويؤلمني أنني في بعض اللحظات يساورني الشك بقدرة الثقافة والسياسة على تحقيق نقلة نوعية عميقة في لباب التكوين البشري الذي يتكشَّف، في لحظات ومواقف وحالات، عن جوانب وحشية وهمجية لا يحكمها منطق ولا تنم عن عقلانية، وتعويق بعضهما للدين والمكونات الروحية عن القيام بدور إيجابي في هذا المجال. وفي الشارع العربي الذي لا يبدو أنه تنازل عن حقه في المعرفة ولا عن دور الوعي المعرفي في حياته وقراراته وأحكامه فقط بل استقال من مسؤولياته وواجبات المواطَنة ذاتها ومن مسؤولياتها ومن دوره الاجتماعي والسياسي البناء على صعد عدة ومستويات كثيرة لأسباب شتى منها: التسلط والقمع والتغييب وتحكم الطَّفاوة البشرية الزئبقية والغوغائية المريضة بالعمق الحياتي للناس وشروط معيشتهم وتوجهاتهم ومناحي إبداعهم ومقومات الحكم عليه..إلخ، مما يشكل معوقات لا تعفي أحداً أبداً من المسؤوليات والواجبات والتبعات، ولا ترحمه أو ترحم سواه في قادم الأيام. في الشارع العربي خمول لا يمكن أن يُفهَم أو يُقبل ولا ينبغي أو يمكن أن يستمر وتواكل ناشئ عن خوف وتسليم بسيطرة منطق الميليشيات والعملاء والغوغاء ومن يوجههم على كثير من المواقع والمرافق الحساسة وقبول بالأحكام البعيدة عن الموضوعية والنضج والمبنية على ترويج " إعلامي ـ إشاعي شفوي ـ دعائي سلباً أو إيجابا" من دون إطلاع وتمحيص وتدقيق ومحاكمة، تحكم مروجيها أمراض، ويأخذها من يتبنونها بأساليب وصيغ ومواقف تخرجهم عن دائرة المحكَّم المؤهل النزيه أو المحتكم إليه بثقة وموضوعية واستحقاق، وقد يحكم بعضهم تحت تأثير الهالة المصنوعة بالدعاية أو يخاف منها أو يزل رأيه بتأثير منها.. وذلك فضلاً عن كونه يدمر ولا يبني فغنه يناقض منطق الأمور وحركة الحياة واحتياجات الناس، ويؤدي إلى تدمير مباشر أو غير مباشر لما يبني المجتمعات ويؤسس لسلامة البقاء والتقدم والنهوض في كل مجالات العلم والإبداع والفكر والأدب والفن والعمل التي تبني مقومات الحياة والمجتمع الحضاري وذاك الذي يساهم في بناء الحضارة الإنسانية ويشكل رافداً من روافدها.

 وإخال أنه يتوجب علينا نحن العرب في واقعنا الراهن ومحنتنا الدامية وتبعيتنا المهينة وضياع حقنا على دروب الأقوياء، أن نخلّص أجيالنا من فتك الفساد والإفساد في كل ميدان، ومن الذين ينشرون هذا الوباء في حياتنا المادية والروحية، في ثقافتنا وأدبنا وفننا كما في إعلامنا ومجتمعنا وسياستنا. وعلينا أن نضعها على طريق سلامة التكوين والتفكير والحكم والاحتكام بمناهج تحترم العقل وتدابير تصون القيم والمعايير والقوانين والقيم الروحية المنقذة.

وفي هذا المجال أذكر قول الجواهري وأتذكره وأذكر به:

كانت محاسننا شتى وأعظمها

 

 

أنا نخاف عليها من مساوينا

 دمشق في 10/8/2007

 علي عقلة عرسان

 

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |