| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

كلام أحلام وأوهام

الماء بصفاء عين الديك، والخضرة تنتشر سجاجيد ورايات ومرايا ورويات، والسماء زرقة شاهقة بلا ضفاف، وأشرعة المراكب الملونة ترسم في الفضاء الرحب صورة أسطول أغامنون وجيشه الذي كان ينتظر هبوب ريح مواتية ليهاجم طروادة وينقُضَ عمرانها ويعيد هيلين الأثينية الجميلة إلى زوجها مينلاوس ويعاقب هكتور الطروادي العاشق الذي اختطفها وكلف عشقُه وجود مدينتَه وأمن شعبها... هناك على مجمع البحرين "إيجة والمتوسط" وقف زمن مرمري صقيل ليسجل بحدِّه المرهف لحظات من التفاعل الخلاق بين مبدعين وناشطين من بلدان كانت في يوم من الأيام دولة زاهرة وكتلة حضارية وسياسية واحدة فرقها الاستعمار بنشر التعصب بين أقوامها وبث الفرقة في صفوف أبنائها واستقطاب أقطارها في تحالفات حروب مزقت كيانهم وجعلتهم يقعون تحت سيطرة إمبريالية وعنصرية بغيضتين، وما زال الزمن يسجل لحظات ذاك التمزق والاضمحلال وتفاعل نتائجهما وانعكاساتها على الناس.

إنهم يتوقون إلى الخلاص من دوامات الدم والدمار وأشكال الهيمنة والاستغلال والفساد والإفساد، ويرفعون أصواتهم ضد الاحتلال والعدوان والحرب الهمجية التي يشنها الإمبرياليون الأميركيون وحلفاؤهم على منطقة ضاق أهلها بالقتل والدمار وسيول الدم.. يدينون الصهيونية والعنصرية بأشد العبارات قوة وقسوة وبأعلى الأصوات وأوضحها، ويطلبون الأمن لأطفال العراق والاستقرار لشعبه والوحدة لترابه، ويطالبون بجلاء جيوش الاحتلال عن أرض عربية محتلة يقاوِم أهلُها باللحم والدم والإرادة ليطرد الغاصبين وينعم بالاستقلال.. يطلبون الحرية لفلسطين وعودة كريمة لشعبها وحرية دائمة وحق تقرير المصير لذلك الشعب في وطنه التاريخي.. فلسطين. يقولون ذلك شعراً ونثراً، موسيقى ولوحات فنية وألوان تعبير منها خطابات يتدفق منها الصدق وتغمر العيون بالدمع وتستنفر الضمائر الحية.. ولكن.. هيهات.. هل بقي للشعر والفن والصدق مفعول وتأثير ودور في قرار الحرب والسلم اليوم بعد أن فقد العالم القيم ومعاييرها وانتهكت القوة الغاشمة إنسانية الإنسان وأمنه وحياته.. وأصبح لا يفهم سوى لغة القوة التي يملكها ويستخدمها أشرار بلا ضمائر أو قيم قيم، تحركهم مصالح بلا حدود ويبيدون الحضارة ويقضون على الحياة؟

كانت شمس آب/ أغسطس المحرقة في كبد السماء، والعرق يتصبب من أجساد تحملها أقدام مرهقة تسير إلى قبر مقاتل من أجل الحرية يتصدر مقبرة تربعت على قمة هضبة يُرى منها ماء بحري إيجة والمتوسط.. وقفوا رجالاً ونساء هناك تحت شمس آب، تذكروا وتذمروا واستمطروا الرحمة على من يستحقها.

لماذا يذهب المبدعون في هذا الاتجاه نحو المقابر والذكريات؟ هل يهربون من واقع يدمي القلوب؟ أم أنهم فقدوا الأمل في الأحياء وفقدوا قدرتهم الذاتية على التغيير والتأثير في القرار والحدث، أم لأنهم يريدون أن يستمدوا طاقة حتى من أجساد ثاوية كان لها تأثير من قبل أكثر مما لهم اليوم من تأثير؟ كنت أسأل نفسي وأنا على أبواب كلام عن الشعر والحرب والسلام أسئلة مجرحة وجارحة.. ووجدتني ألوم نفسي على أسئلة بهذه الحدة ألقيها على طلائع أقوام من أمة اقرأ لم تعد أممهم تهتم بالقراءة والكتاب، ولا يرغب ساستهم في الاستماع لصوت غير صوتهم سواء أكان ذلك في إطار الديمقراطية أو الشورى، ويرتجفون لدى سماع صوت من يملي عليهم إرادته وما يفعلون بالقوة التي يفهمون ويكرههم على تنفيذ ما يرى وما يريد أن يُفعَل أو يقرر ويتراكضون لتنفيذ ما يقول وتلقين ما يجب أن يُقال.

في منتصف يوم من أيام آب اللَّهاب وقفنا تحت أشعة الشمس الحارقة بين ماء وطين، نحتفي بإطلاق أسماء شعراء بارزين من أنحاء عالمنا على شوارع مدينة جميلة تتربع بين هضاب البحر الأبيض المتوسط وشواطئه، تحلم بأمن وحرية وسلام للناس كافة وباستقرار في حوض المتوسط الذي يحضنها ويحضنهم، ليعود إليها الأمل وتستعيد حيوية الحضور والأحلام الجميلة..

قلت أيها الناس إذا أرتم أن يسود الأمن والاستقرار والسلم عالمنا المضطرب فانصروا العدل، واهزموا روح العدوان بهزيمة الإمبريالية والصهيونية والعنصرية والاحتلال والأطماع التي لا تعرف حدوداً، أحبوا الحياة وتعلقوا بالحرية ودافعوا عنها.. أحبوا الناس وأحبوا الخير والعدل والمعرفة التي تزيل جهلاً متبادلاً يقود إلى عداء متبادل.. وساعدوا كل مشرد عن بيته وأرضه ووطنه لكي يعود بأمن وكرمة إلى بيته وأرضه ووطنه.. قولوا لا لمن يحتل أرض الآخرين ويعتدي عليهم ولمن ينتهك القوانين والقيم وحقوق الناس بالحياة والاختلاف، ولمن يمنعهم من العيش في ظل أمن من جوع وخوف.

كانت صور من الظلم والقهر تتالى على مخيلتي، تسكنها وتطفئها وتفترسها وتكاد تنهيها فتقوم من رمادها لتستأنف التذكر والتذكير وترفع راياتها في أفق الكلام دفاعاً عن الحرية والناس.. كنت أرى العراق ولبنان وفلسطين وأفغانستان والسودان والصومال وباكستان في مقدمة الصور الملطخة بالدماء والقهر وخلفها صور من سربرنيتسا وأخواتها تُعَنْدِم الأفق.. وطيران الأميركيين والصهاينة يلقى قنابله على المدن والقرى والمنشآت والبيوت، والأطفال يتراكضون بين حقول وبيوت وملاجئ وشوارع وتتقطع أجسادهم بشظايا الصواريخ وقذائف الدبابات والقنابل العنقودية والألغام الأرضية في غزة وجنوب لبنان وضاحية بيروت.. كان المشهد يحرق مخيلتي ويعيد لي مخزون الذاكرة من المرئي والمقروء والمسموع عن حروب همجية وحروب نووية تمتد مساحاتها من هيروشيما وناغازاكي إلى كوريا وفييتنام وفلسطين والبوسنة والهرسك إلى العراق الذبيح.. حروب العم سام على سائر الأنام..

أخذ الشعر الحار يتراجع إلى مؤخرة الجمجمة، وأبناء الفقراء يتقدمون صفوفاً صفوفاً نحو المواجهات الدامية والموت الزؤام دفاعاً أو هجوماً تحت خرَق ملونة تحمل رموز أمم وأوطان، وتجار الحروب والدم والبؤس البشري يفتتحون مصارف جديدة في أرجاء الأرض وينهبون ويبسطون سيطرتهم على أسواق الطاقة والمواد الخام والأسواق الاستهلاكية ويدمرون الأرواح والأخلاق وأرواح الناس ليربحوا أكثر ويسيطروا أوسع ويفسدوا أعمق..

نتائج حروب وضحاياها تكون المشهد الكبير، صفوف من المعوقين والمشردين والنائحات والثكالى المعلقات في فضاء قاتم لا ترى العيون فيه شعاع أمل.. بؤس في العالم يكاد يشمل العالم، بؤس في المحافل الدولية، بؤس في العدالة، بؤس في الكلام والأحلام، بؤس في الأحكام والحكام والآمال الأوهام.. العنصريون الصهاينة والأشرار الذين على شاكلتهم يستولون على أرض ويحرقون فرص السلام مع أغصان الزيتون وأحلام الأطفال، وتجار المبادئ وسفلة السفلة من كل الأقوام يشوهون العقول وينتهكون الحقيقة ويلوثون العواطف والأفكار، ويحصدون رؤوس الناس وقلوبهم بأيدي الناس، ويغلقون آفاق الأمل بالهمجية والانحطاط والعدوان والقتل وينشرون البؤس والفساد..

صرخت: نريد أن نعيش كما نحب أن نعيش، نريد أرضنا والسلام، نموت دون أرضنا وحقنا، لا سلم من دون عدل، ولا عدل من غير نصر شامل على الاحتلال والإمبريالية والشر.. النصر مكلف والحرية غالية والتحرير حياة شعوب تقع تحت نير الاحتلال..

أخذت أستعيد صور القصف على بغداد وقرى جنوب لبنان وبيروت وأنا أستمع لمن يتلى اسمه من المكرمين بتسمية شارع باسمه وإلقاء شعر بالمناسبة من شعره وتصفيق من يصفقون له..

قصف وصراخ موت وشعر وتصفيق في ذاكرتي، تختلط البهجة بالدم.. ويتلون الأفق بلون الموت وبغرادة انتزاع الحياة من مخالب الموت.. وتتالت الأسماء على أذني: وليم شكسبير، بابلو نيرودا، نزار قباني، ما ياكوفسكي، لويس أراغون، ناظم حكمت، فيديريكو غارسيا لوركا، يانيس روتسوس، محمد إقبال، عزت سرايليتش، جبران خليل جبران، برتولد بريخت، محمود درويش..إلخ

العالم يحيا والعالم يموت والعالم ينهض والعالم ينحدر والعالم يتجدد، وابن الفقير يواجه ابن الفقير في ساحة القتال.. ابن الفقير يدفع الثمن في كل الأحوال ولكنه أيضاً يتقدم ويشعر أنه يصنعى شيئاً بدمه.. يصنعه للآخرين ولكنه يصنعه بدمه.. ومن حقي أن أتساءل معك: إلى أين يتقدم ابن الفقير وما هي أدواته وإمكانياته وعائداته وما هو مصيره في عالم يحكمه الأشرار وتجار الدم؟

غرقت في عالم أحلام وأوهام، وخلت أنني أخاطب أمَّ ذلك الفقير المسكين وهو عائد إليها مجرح الجسد والروح:

[[ ضميه نحوك، هدهديه وضمّديه،

ضميه نحوك..قبّليه وأسعديه،

ضميه ها قد عاد من أرض الحروب المفجعة

أرض الجراح الموجعة

في عينه يخبو طموح من ذهب

كان الأرب

صار الغَرَب

وانساب دمعاً في عيون مودعيه

ضميه نحوك هدهديه وضمّديه..

فجراحه تحكي أقاصيص اللهب.

ضميه نحوك طالما.. يا طالما ذاق التعب

واشتاق زنداً من حنان أو قصب.

يا أم.. يا مستودع الآهات والحزن المعتَّقِ.. والسَّغَب

يا أم.. أعرف أن كل الجند،

كل الجند، في كل الجيوش، على العصور..

في جيشنا .. في أي جيش كان.. في كل المعاركِ والحروب..

أبناء أمهات..

من أسَر فقيرة تريد أن تعيش

تكدح في الصباح في المساء..

تذبل في الحقول،

تنام في العراء،

يمتص جهدها الكبارُ والطغاة

وتنشد الحياة.

لكنما الغَزاة..

من أي لون كانت الغَزاة..

صنّاعها لصوص.

في أرضنا يا أيها الغزاة بالبنين والبنات..

أبناؤكم لصوص،

ويقتلون الله والإنسان في أرض البشر

 

ابن الفقير عندنا يحمي تراب الأرض والرغيف

ويدفع الأحقاد والأعداء بالدماء

يُستنفَر الفقيرُ في أحيائنا

ليقتل الفقيرَ من أبنائكم

ويردع اللصوصَ والطغاة

ليصنع الحياة.

وفي نهاية المطافِ مجزرة

ويُقهَرُ الإنسان

ويُقتَلُ الإنسان..

في كلّ حرب مجزرة..

ويُقتَل الإنسان في نهايةِ المطاف.

 

يا أم..

في إنكلترا أنجبت أم في الصين

في واحة خضراء في صحراء.. في عرين،

ابن الفقير عندنا وعندكم يموت

في كلّ أرض، كلّ حرب، ابنه يموت

يدمّر البيوت..

ويهجُر البيوت..

ويرتمي في محنة ممتدة الأطراف.

ابن الفقير اليوم يدفع الثمن

في كلِّ حربٍ كان يدفع الثمن

وجسمه يذوي ويبلى دونما كفن..

ليسلَم الكبار

ويسمنَ الكبار

ويحكمَ الكبار.

فالعار ثم العار..

والعار ثم.. العار.]].

 

داتشه في23/8/2007

 علي عقلة عرسان

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |