|
| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث | |
|
أنا وحفيدي في موسكو كثيرة هي المرات التي زرت فيها موسكو أو كان طريقي إلى بلدان أخرى يمر عبرها، وكل زياراتي كانت مع وفود رسمية أو شبه رسمية، الزيارة الأولى كانت في عام 1968 ضمن وفد لتأسس جمعية الصداقة العربية السورية السوفييتية وتركز نشاطه في باكو عاصمة أذربيجان، حيث أعلن من هناك تأسيس تلك الجمعية. في زياراتي المتعددة سجلت ملاحظات عن نشاطات وحوارات ومشاهدات ومتغيرات ونشرتها في كتابين، كان أهمها مفصل عام 1990 ـ 1991 الذي شهد التحول السياسي والفكري والاجتماعي الكبير وسجل انهيار الاتحاد السوفييتي وتفتت المنظومة الاشتراكية ونهاية حلف وارسو وعودة نشاط الحركات القومية والدينية في معظم تلك البلدان. ليست حركة "الخصخصة" وبيع أملاك القطاع العام " بأبخس الأسعار وبما يشبه التواطؤ لمن أصبحوا حيتان رأس المال في روسيا الاتحادية والبلدان التي كانت اشتراكية، ولا انحسار النفوذ الاقتصادي والسياسي للبلد الكبير، وتراجع مبيعاته من الأسلحة وصناعاته العالية التقانة في المجال العسكري، ولا محاولة تجريد ذلك البلد من بعض أسلحته الاستراتيجية لا سيما الصواريخ، ونشر ما يشبه الفوضى والأزمات في أرجائه لسنوات عدة والاقتراب الخطر من حدوده.. ليست تلك هي أبرز المعطيات التي كانت لافتة للنظر بقدر كبير في ذلك الوقت فقط، بل عودة الحيوية والحضور للفرد الذي ضمرت شخصيته وجُرِّد من كل شيء وسجل رقماً أو " برغياًَّ ـ صامولة" في عجلة الآلة الكبرى التي سحقت الإنسان بدلاً من أن تخدمه، في ظل سطوة تأميم مفرط كاد يشمل المشاعر الخاصة والتنوعات الفردية، والتحول الفكري والروحي والاجتماعي الهائل، واستعادة الروح القومية، الروسية وغير الروسية، وتعاظم ذلك النزوع واتساع مده في الجمهوريات التي كانت ضمن الاتحاد السوفييتي وفي المنظومة الاشتراكية، وعودة المد الديني، وإحياء الكنائس وترميمها وبناء الكثير منها في المدن والبلدات والقرى، وبناء مساجد وجوامع في أنحاء كثيرة من مدن آسيا الوسطى، وعودة الناس إلى أحضان مجتمع يبحث عن إشباع روحي، وإلى دول تقاتل من أجل حدودها وسيادتها ومصالحها بعد أن كانت شبه ممحوة الحضور.. الأمر الذي جعل الكثير مما عُدّ في القرن الماضي صروحاً أيديولوجية وسياسية واقتصادية واجتماعية راسخة " صروحاً" تذروها الرياح، وجعل الحتميات تتحول إلى لعثمة مُرة وتمتمات خرساء في أفواه المكابرين الذين أشاعوا إرهاباً فكرياً وغوغائية بلا ضفاف ما زالت تفرخ في بعض بلداننا.. وشكلت العودة إلى حضن الدين والقومية والشخصية القومية والفردية النامية ولا نقول المتورمة أكبر المؤشرات على أفول عالم من أرادوا أن يضعوا نهر الحياة المتدفق الغني بالتنوع والتعدد والمتفجّر بالحيوية في اسطوانة غاز صغيرة، وأشاعت أبواقهم في العالم " مسلَّمات" منها أن عصر القومية والفرد والتنوع الثقافي والروحي الخلاق قد انتهى وحلت محله أيديولوجيا عالمية واحدة، وأن "المداجن" البشرية أصبحت تنتج بشراً وفق المقاييس والمواصفات الأيدلوجية المطلوبة.؟ وهم بهذه المناسبة لا يختلفون كثيراً عمن يريد العالم شارعاً واحداً بلا أرصفة أو رصيفاً واحداً يسير عليه الجميع، ويجلد الناس كي يسيروا فيه وفق هواه، ويعلن من منصة عنصرية بغطرسة مقيتة: " من ليس معنا فهو ضدنا".. كل أولئك لم يقدروا الإنسان حق قدره ولم يعرفوا عمق ما في النفس البشرية من خصوصيات روحية وثقافية ووطنية وقومية وإنسانية تجعلها غير قابلة للتحول إلى رقم أو أن تمحى نهائياً من الوجود وتصبح سكوناً تحت أقدام حمقى يريدون وضع رقاب الناس بأيديهم. في زيارتي الأخيرة لموسكو/ أيلول ـ سبتمبر 2007 شاهدت المختلف عما عرفته في زيارات سابقة وكتبت عنه ونشرته.. في موسكو إيقاع حياة مختلف عما سبق، وانفتاح، وضبط وربط، وما يمكن أن تسميه العافية بادية في حركة الناس وعلى وجوههم وفي سلوكهم وأساليب تعاملهم وإقبالهم على الحياة، تلمس ذلك في الشارع وفي الحدائق العامة وفي عربات " المترو" وفي حركة السير العارمة في معظم أوقات اليوم. ما كنت تشاهده في التسعينيات من القرن الماضي لم تعد تشاهد معظمه في موسكو، والأفق العام الثقافي والسياسي أخذ ينفتح على استعادة الموقع والحيوية والمكانة التي كانت لعاصمة القياصرة والسوفييت بالاستعانة بكل القوى المؤثرة للفرد والمجتمع والدولة.. وتلمس تفاعلاً خصباً مع المعطى الحضاري والديني والعلاقات والصلات القديمة، ورغبة في استعادة صلات مؤثرة مع الماضي القريب والبعيد ومع المحيط الواسع من حول بلد شاسع. في لقاء دعاني لحضوره فاليري غانيتشيف رئيس اتحاد كتاب روسيا الذي يضم الكتاب والأدباء القوميين الروس بالدرجة الأولى، وهو أحد ورثة اتحاد الكتاب السوفييت السابق الذي تمزق هو الآخر، أقيمت ندوة احتفالية بالتعاون مع الجمعية الإمبراطورية الروسية الفلسطينية ولدعمها بعد أن بعثت من جديد، وهي جمعية ضمن تتداخل مع منظومة المهام العامة لبطريركية إنطاكية وسائر المشرق وتخدمها، وكانت تقوم بدور مؤثر في العهد القيصري يساهم في متابعة عمليات الوقف الأرثوذكسي ورعاية الأماكن الأرثوذكسية المقدسة في بلاد الشام وتقدم معلومات وتسهيلات في الحج شبه المنتظم إلى الديار المقدسة. وقد احتضن الاتحاد والجمعية إصدار كتاب فاسيلي غريغوروفيتش باركوغو الذي يعنى بطريق الحج وبتاريخ وملاحظات في أثناء رحلات حج واطلاع واستطلاع إلى الأماكن المقدسة كانت بين عامي 1723 ـ 1747 وهذا النوع من الاهتمام الجديد سبقته عناية من كتاب روس بإصدار كتب عن العلاقات العربية ـ الروسية والعلاقات الأرثوذكسية الإسلامية، وفي هذا مؤشرات على بداية توجه عام يرمي إلى استعادة علاقات وصلات واهتمامات بين العرب والروس، المسيحيين "الأرثوذكس" والمسلمين تستند إلى الماضي البعيد نسبياً وتستثمره إضافة إلى ما هو قائم الآن من علاقات واستراتيجيات تستند إلى معطيات الحاضر والمصالح والصراعات الراهنة ومحاولات الرئيس بوتين وطموحاته في الوصول إلى عالم متعدد الأقطاب تنتهي فيه سيطرة القطب الواحد على شؤون دولية كثيرة... وتتداخل في هذه السياسات والاستراتيجيات المواقف من قضية فلسطين والصراع العربي الصهيوني والمصالح الكثيرة للدول الكبيرة وربما تفعيل دور روسيا الاتحادية في مجالات حيوية منها موقفها في الرباعية البائسة التي تعمل حتى الآن واجهة للأميركيين. كما يشير إلى صراعات مستقبلية قد تنشأ بين أطراف دولية تتداخل مصالحها وتتناقض مواقفها، وبين جهات أخرى تريد أن تبعد الدولة الروسية "الأرثوذكسية" عن الاهتمام القديم الذي كان لها سياسياً وروحياً واقتصادياً بالأراضي والأماكن المقدسة في بلاد الشام عامة وفلسطين خاصة وبالقضايا المتصلة بالناس والمصالح والمقدسات في ذلك الجزء من العالم. وأرى أن هذا المدخل الثقافي الديني الاجتماعي لا يتوقف عند حدود الاهتمام التاريخي والمعرفي، ولا عند حدود الكنسي الخالص بل يذهب إلى أبعاد سياسية واستراتيجيات ترسم ويهيأ لها على المدى البعيد.. ومن المناسب مقاربة هذا الأمر من زاوية العلاقات التي أخذت تبنيها روسيا في عهد الرئيس بوتين مع بلدان عربية مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر إضافة إلى علاقاتها القديمة الجديدة المتجددة مع سورية ولبنان ومصر والعراق وغيرها من بلدان الوطن العربي. في شوارع موسكو لم تعد سيارتا "اللادا والفولغا" هما سيارتا موسكو الوحيدتين بل أصبحتا في آخر المواكب الثرية المتواصلة لمن يشاهد حركة السيارات من كل الأنواع في شوارع المدينة التي لا تكاد تنام، وتلبس قلائد ضوئية، وتتصدر واجهات محلاتها المركزية أحدث المنتجات الصناعية والتقنية والسلعية المتنوعة، وترفع لوحات ولافتات وإعلانات دعائية لمؤسسات وبضائع من معظم أنحاء العالم، ويوجد فيها بين مصرف عالمي ومصرف عشرات الأماكن لصرف العملات الأجنبية، وهذا وسواه مما هو كثير لم يكن يُرى في السابق بل كان من المتعذر تصور حدوثه. الانفتاح في المدينة يكاد يشمل كل شيء حتى العقول التي تحملها أجسام تمتُّ للعهد الماضي، والناس رجالاً ونساء يتسابقون على اقتناء الأشياء الجديدة الجميلة المرتفعة السعر، ووجود ما يقرب من مئة وعشرين ألف مليونير " دولاري" في موسكو ـ يقال إن في روسيا أكثر من مئة وستين ألف مليونير دولاري ـ يجعل شرائح من سكانها يتزلجون على المال ويجعل الكثير من فقرائها يتزحلقون فوق أرصفته وأرصفتها. لم تعد شوارعها قاتمة مكتئبة، ونهر موسكو يبدو مبتهجاً وهو يرى المراكب المزدهية تمخره وتطوف بين أحيائها، أو هكذا بدا لي المشهد في تداخل الشمس والغيم والمطر، الخضرة والماء والبناء، مع نهاية الصيف وبداية الخريف. أينما ذهبت يحاصرك الازدحام الذي يكاد يغرقك في هموم الوقت وينسيك أهميته حيث تغرق أنت ومواعيدك في زحمة السير. في موسكو أغنياء وفقراء وخدمات وتسهيلات وطموحات كبيرة وصخب حياة ممتلئة بالمتناقضات والطموحات والأمنيات، ولكن كثيرين في روسيا يعرفون كيف هو المشهد الحقيقي في البلاد، ويدركون كم هو مختلف مشهد البلدات والقرى عن العاصمة التي يتحرك فيها ملايين البشر؟ في روسيا يبدو أن المشهد مختلفً عن العاصمة، وربما مختلف تماماً، هناك فقر ومعاناة ونقص في الخدمات، وهناك حسرات من بعض الناس على الماضي الذي كان و"العز" الذي فات بمادياته ومعنوياته، وتلهف على ضماناته الصحية وعلى رغيف خبز كان بمتناول الجميع وبسعر مقبول قياساً على الدخل المخبول.. وهناك أناس في موسكو وغيرها من مدن روسيا يسألون لماذا تراجع إنتاجنا من كل شيء ونما استهلاكنا لكل شيء، وصارت عاصمتنا عاصمة الاستهلاك بعد أن كانت عاصمة الإنتاج، وأصبحنا نعتمد في دخلنا القومي على النفط والغاز بالدرجة الأولى؟ وما هي نتائج ذلك على المدى البعيد، وكيف نقيم بذلك قوام القطب الثاني أو الثالث في عالم نتطلع إلى تعدد الأقطاب فيه؟ أسئلة دقيقة وحساسة وهامة، خلت أنني أطرحها على حفيدي الأصغر الذي التقيت به في موسكو في هذه الزيارة أو أطرحها عليه وربما كان هو الذي زين لي بعض الرؤى والأفكار وفتح آفاق رؤية جديدة في المدينة الجديدة. موسكو في 14/9/2007 علي عقلة عرسان |
|
| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث | |