|
| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث | |
|
رمضان في موسكو كل رمضان وأنتم بخير وبركة شاءت الظروف أن أقضي العشر الأوائل من رمضان هذا العام في موسكو، المدينة التي كانت في العهد السوفييتي عاصمة علمانية من نوع خاص، علمانية ملحدة تلاحق المتدينين وتعتبر الدين أفيون الشعوب ولا تسمح بالدعاية له بل بالدعاية ضده وفق نص القانون السوفييتي. لرمضان هذا في موسكو اليوم طعم العرب ومسلمي آسيا الوسطى الذين يتسربون في شرايينها من أذريين وأوزبك وطاجيك وتتار وتركمان وكازاخيين وشراكسة من ألوان الطيف في القفقاس..إلخ، وتُضاف إلى ذلك الطعم نكهة خاصة يضيفها المسلمون الروس على المشهد الرمضاني الذي تعيشه هناك ولا تنظر إليه من الخارج كإيقونة غريبة تحاول البحث عن سر جمالها وغرابتها. لا تسمع صوت أذان المغرب ولا صوت مؤذن الفجر هنا فموسكو بمساحتها الهائلة وكثافة السكان فيها لا تمكِّن صوت المؤذن من أن يصل من المساجد الأنيقة المتربعة في موسكو إلى أرجائها الواسعة ومن يتشوقون لسماعه في أوقات الإفطار على الخصوص، ولا يوجد ما يجعل صوت المؤذن يصل إلى البيوت القريبة جداً من تلك المساجد، إذا كان فيها مسلمون ينتظرون أوقات الصلاة أو الإفطار أو الإمساك، لأن الانتشار عبر مكبرات الصوت يزعج الآخرين ولذا يسري عليه المنع، ولذا فأنت تتابع الوقت على الساعة وفق قائمة التوقيت الرمضانية التي توزع بصورة واسعة على من يطلبها أو يسعى إلى الحصول عليها من مسجد ما أو سفارة بلد عربي أو إسلامي أو من مراكز تجمع الجاليات العربية والمسلمة. في المطاعم العربية المتعددة التي تقدم ألوان الطعام العربي المعتاد تجد حولك أخوة يجتمعون حول موائد الإفطار مشكلين حالة اجتماعية تألفها، وتصل إليك اللغة العربية فتفرح، وتجد أمامك طعاماً مما اعتدت عليه في بلدك فتطمئن نفسك إليه وتقبل عليه، ومناخاً حميماً قد لا يكون مناخ بيئتك التي ألفتها ولكنه يخفف من الحالة النشاز التي قد تجرحك وتجعلك تشعر بثقل الغربة من جراء فقدان ما تتوق إليه من أجواء رمضانية خارج حدود المكان والأكل والشرب، أعني أجواء اجتماعية وروحية على الخصوص. وفي الشهر الفضيل تكثر الولائم الرمضانية الجماعية التي تقرب المتباعدين وتؤلف بين المختلفين وتتيح فرص اللقاء بين أفراد تأخذهم شواغل الحياة وتلقي كلاً منهم في درب يركض فيه فوق الثلج والبرد والصقيع، في الوحل والمطر، أو في مساحة من الهم والغم تسحقه أو تكاد ليحصل على بعض متاع الدنيا وما يحتاج إليه من متاعها .. حالة من الاغتراب وشجونه والعمل وشؤونه، تنمو وتتورم عند بعض الأشخاص فتأسرهم أو تحاصرهم وتفضي إلى انفراد قد يكون فيه فرادة وضع وليس فرادة أداء وإبداع، وقد يتحول ذلك إلى ضغثٍ على إبّالة لدى من تهرسهم مشكلات وأوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية خانقة لا تسمح لهم بالتقاط الأنفاس أو برؤية آفاق الحياة الواسعة المشرَعة على كل الاتجاهات، واستشراف واحات الأمل في صحراء الوقت. لم يكن في موسكو سابقاً سوى مطعم باكو يجد فيه طالب الطعام الشرقي واللحم الحلال بعض ما يشتهيه، وكنت تجده مكتظاً بالناس الذين يطلبون هذا اللون من الطعام، وتجد الصفوف تمتد لمسافة لا تقطعها إلا وقد فقدت شهيتك أو كدت تفقدها وأنت بانتظار الدخول إليه أو حتى لسواه من الأمكنة، أما اليوم فتجد في المدينة أكثر مما تطلب وتصل إليه بأيسر مما تتصور.. لدرجة تجعلك تسأل نفسك: هل هذه هي موسكو فعلاً؟. صلاة التراويح الرمضانية مائدة روحية عظيمة تقصدها فتجدها، وإذا كنت صائماً ولم تصلّ التراويح في رمضان فإنك تشعر بجفوة نفسية داخلية بينك وبين ذاتك، ولكنها مائدة روحية تقصد أماكنها فتجدها بعد أن تقطع طريقاً طويلة عبر ازدحام سير غير معهود لدى الكثيرين منا على النحو الموجود في العاصمة الروسية العريقة. وقد فوجئت بوجود كثيف للشباب بالدرجة الأولى في بعض المساجد في صلاة التراويح، ولم أكن أتصور أنه قد يأتي وقت وتقام فيه هناك صلاة تحت أي ظرف من الظروف وفي أي مكان من الأمكنة، ولكن ذلك تحقق والناس من كل القوميات في آسيا الوسطى على الخصوص تجدهم هناك يصلون وتقرأ في عيونهم الشغف والاطمئنان والسكينة في الوقت ذاته. في أجواء التجمع الرمضاني تلك وقفت على حالة معتادة في مغتربات العرب الكثيرة، حالة كنت أتوقع أن تزول ولكنها خفت ولم تزل بعد وما زلت أتمنى أن تزول لتحل محلها أخرى أليق بنا وبحضارتنا من جهة وبأوضاعنا وقضايانا والتحديات المطروحة علينا من جهة أخرى، إنها حالة تجدها أو تقرأ عنها كثيراً في المغتربات العربية وتشعر بأن حصادها أقرب إلى بيادر الزؤان منه إلى بيادر القمح، هي تفرق أبناء الجالية الواحدة إلى تجمعات تنهشها الخلافات السياسية أو تتفشى فيها وتعاني من أمراض مزمنة تشرِّش بين شرائح اجتماعية في بعض الأقطار العربية أو في معظمها.. فبين بعض الجاليات العربية تقوم حالة التجمع القطري الضيق والتناحر السياسي الشائع بين الأنظمة والتعصب لهذا الموقف القطري أو ذاك هذا الحاكم أو ذاك، حيث تنتقل الخلافات والنزاعات السياسية إلى الجاليات بصورة سريعة وتفتك بفعاليتها العامة على الأداء المشترك خدمة لحقوق وقضايا وحضارة واحدة. لقد كان الوضع في عقود سابقة أكثر حدة وشراسة حيث كانت أنظمة عربية تتصارع بقوة وكانت أموال عربية تستخدم لتفتيت صفوف المغتربين العرب ووضعهم في حالة تضاد، إن هذا خفّ الآن ولكن لم يتم تحول الوضع بعد إلى قيام كيان عربي مغتربي واحد ذي حضور كبير ومؤثر في مستويات مختلفة سياسية واقتصادية وثقافية، ينسق مع كينونات وتجمعات " مغتربية" أخرى إسلامية وغير إسلامية في قضايا مشتركة مثل التصدي للاحتلال والعدوان وشجبهما، ولأشكال التشويه والمس بالمشاعر والرموز والمقدسات الدينية لدى الأمم والشعوب، وأشكال الإبادة الجماعية، وانتهاك الحقوق والحريات العامة، وألوان التهديد والحصار والقمع، وللحالة الإمبريالية المستشرية لدى دول تعتدي وتحتل وتخرج على القانون الدولي والقانون الإنساني مستهينة بالناس والبلدان والمؤسسات والهيئات الدولية وبالشرائع والتشريعات ذات الأبعاد الإنسانية الراسخة. إن افتقادنا لثقل هذه الجاليات المنظم والمنسق والموظف إيجابياً في مغترَباتها، يشكل خسارة على المستوى العربي والإسلامي والإنساني، ويجعل من يستقطبهم المعتدون والمحتلون والمنتهكون لحقوق الناس وحرياتهم والظالمون ومثيرو الكراهية بين الشعوب والأديان أقوى من صفوف من يتصدون أو ينبغي أن يتصدوا لهم ولتلك الظواهر والممارسات المقيتة التي تشكل مخاطر على الأمن والسلام والاستقرار والعلاقات بين الشعوب والدول. إن هناك مسؤولية وطنية وقومية وإنسانية تنادي القادرين على العمل ولم الصفوف ليكونوا قوة دفع باتجاه توحيد قوى الخير في مقابل قوى الظلم والظلام، وهذا يحتاج إلى مبادرين ومبادرات من جهة وإلى موقف موحد من الدول العربية من جهة أخرى يؤكد أهمية وحدة الجاليات العربية واستثمار جهودها في خدمة القضايا العادلة والكف عن تغذية انشقاقاتها بفيروس الخلافات العربية ـ العربية وتصدير ذلك إليها ومطالبتها بألا تمانعه في تفكيرها وتدبيرها. إنه على الرغم من وجود تلك التجمعات التي تشكل متنفَّساً لكثيرين في العواصم ومنها موسكو إلا أنك تشعر بأنها أقرب إلى ضيق الأفق منها إلى سعته، من حيث كونها قطرية آناً وأقل من قطرية في حالات. وهنا تبرز الحاجة إلى المزيد من تلك التجمعات الأرحب التي تجمع مكونات عربية أكثر اتساعاً ورسوخاً وتعطيها بعداً قومياً وثقلاً اجتماعياً وسياسياً وثقافياً وتمكنها من القيام بدور مؤثر في المحيط الأوسع الذي هي فيه لتحقيق أهداف ومصالح وخدمة الحوار بين الثقافات وإقامة جسور تواصل ثقافية وحضارية وصداقة متينة بين الشعوب على أسس معرفية عميقة وإنسانية عادلة.. فهل نؤسس إلى مثل هذا في أماكن أصبح حضورنا العام فيها واسعاً ليكون قوياً ومؤثراً وفاعلاً في ساحات كثيرة منها ساحات سياسية وثقافية ذات أهمية؟ إننا نتطلع إلى ذلك بأمل كبير وبثقة نستمدها من وعي متوفر بين كثير من الفعاليات المتميزة الموجودة بين أبناء جاليتنا العربية في موسكو وفي بلدان أخرى. والله ولي التوفيق. موسكو في 21/9/2007 علي عقلة عرسان |
|
| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث | |