| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

يوم القدس

الجمعة الأخيرة من رمضان هي يوم القدس العالمي، يحتشد فيها كثير من المسلمين ويتظاهرون ويعبرون عن مواقفهم ويرفعون أصواتهم ليسمع العالم كله أنهم مع القدس ومن أجلها، وأنهم لن يتنازلوا عنها ولن يتركوها للمحتل الصهيوني يدنسها ويهوّدها ويقطّع أوصالها ويهدد عمرانها ومقدساتها الإسلامية بالتدمير ويسيء إلى أهلها ويستهدف مكانتها الروحية لديهم على الخصوص. والقدس منذ احتلها العدو عام 1967 وحاول إحراق المسجد الأقصى عام 1968 فاحرق منبر صلاح الدين فقط تتعرض لأشكال من التهديد المباشر وغير المباشر لا سيما الأماكن المقدسة فيها، ويقوم العدو بكل ما من شأنه أن يلغي هويتها العربية ـ الإسلامية ويجعلها "عاصمة موحدة لإسرائيل" ويفرغها من سكانها.. وبينما يستمر في تنفيذ مخططاته ضدها يؤيده في ذلك حلفاؤه ومناصروه لا يبدي العرب والمسلمون سوى غمغمة صوتية واحتجاجات حيية تذهب أدراج الرياح وتتجدد بين مناسبة وأخرى، بين عام وآخر، في حين يستمر التهويد والتوسع الصهيوني وتستمر الحفريات تحت المسجد الأقصى وزلزلة أركانه وبناء كنيس ومرافق يهودية تحته وشق الطرق المؤدية إلى قلب الحرم وإقامة الجدران العازلة حول المدينة  وضم القرى والبلدات المحيطة بها إليها لتشكيل حزام يهودي حولها، ويبني اليهود الأحياء السكنية ويقومون بالاستيلاء على المباني والبيوت والتضييق على السكان الأصليين ويحاصرونهم بهدف طردهم من مدينتهم، ويمنعون المصلين المسلمين من الصلاة في الحرم القدسي ويضيقون عليهم لقطع صلتهم بأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.

والقدس، تنزيه الله، مدينة عربية التأسيس والتاريخ والمآل، أنها يبوس التي أسسها اليبوسيون العرب عام 3200 قبل الميلاد، وهم فخذ من الكنعانيين العرب الذي تعلم إبراهيم الخليل عليه السلام شفتهم أي لغتهم " شفة كنعان" يوم أتى من أور إلى فلسطين في النصف الأول من الألف الثانية قبل الميلاد، وقبل مجيء موسى عليه السلام باليهودية بما يقرب من ألفي سنة. وقد عاشت في المدينة المقدسة التي تكلمت شفة كنعان وحمَلتها، قبائل عربية على مَرِّ التاريخ منها: " لخم وجذام وعاملة وكندة وقيس وكنانة، وكذلك بطون من قضاعة والقَيْن وبنو كلب وجرم وبنو عذرة... إلخ.". ولم يتركها سكانها العرب أبداً، بينما لم يسكنها يهودي طيلة 1052 سنة متوالية. وقد ضحى سكان القدس خصوصاً والفلسطينيون والعرب والمسلمون من أجلها  في الأوقات كلها ولا يمكن أن تكون لغير أهلها الأصليين، مسلمين ومسيحيين، ولا لغير أمتها رمزاً وعاصمة روحية وجغرافية وسياسية، على الرغم من كل ما يبذل لصرف أنظار العرب والمسلمين عنها وتيئيسهم من إمكانية أن تكون لهم كلياً أو حتى جزئياً.      

القدس مفتاح الحرب ومفتاح السلام، وهي من بين قضايا رئيسة " حق العودة والحدود والمستوطنات..إلخ" تشكل استعصاء وعقبة في وجه إيجاد مداخل سالكة لحلول سلمية سليمة للصراع العربي الصهيوني ولما يسميه أهل مؤتمر أنابوليس الأميركية القادم النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، بهدف عزله وتقزيمه والسيطرة على المفاوض الفلسطيني وشق إسفين بين الفلسطينيين أنفسهم في ظروف التفاوض.

لم تتوقف محاولات الصهاينة لتغيير معالم القدس ونسيجها السكاني وتدمير المسجد الأقصى، ولم تتوقف لحظة خططهم للسيطرة على المدينة ومداخلها، ولم تهدأ الجهود السياسية لجعلها عاصمة لهم، ففي 30 أيلول/ سبتمبر 2002 وقع الرئيس الأميركي جورج w بوش تشريع تمويل وزارة الخارجية لعام 2003 الذي تضمن نصوصاً خاصة بالقدس تعترف بأنها "عاصمة أبدية وغير مقسمة" للكيان الصهيوني، وأصدر بياناً للاستهلاك الإعلامي العربي حول القسم رقم 214 من التشريع المتعلق بالقدس. وعلى مدار أعوام سابقة ولاحقة كان الكونغرس الأميركي بمجلسيه يجدد بحماسة متفاوتة القوة والشدة كون القدس عاصمة " لإسرائيل" ويطلب من الإدارة الأميركية نقل سفارتها إليها، وهذا المجلس الذي يفترض أنه يمثل الإرادة إرادة الولايات المتحدة الأميركية وتوجهاتها لا يني يتدخل في شؤون كثيرة وخطيرة في القدس وغيرها، ويتدخل في شؤون عربية وإسلامية كبيرة، وكانت آخر صورة من صور تدخله القبيح في شهر أيلول 2007 حيث اتخذ قراراً بتقسيم العراق إلى ثلاث دول، وهي مهزلة المهازل الأميركية بعد احتلال العراق وتدميره وما سببه ويسببه ذلك الاحتلال من كوارث وفظائع وحشية لهذا البلد العربي العريق ولسواه من البلدان التي تتوجه نحوها تلك الدولة، وهذا مفتاح كلام قديم جديد متجدد منذ ما قبل العدوان على العراق حول الاستراتيجيات الأميركية والمطالب الصهيونية ورغبات بعض العراقيين والعرب وأحلامهم في تقسيم العراق وإضعافه أو إلغائه نهائياً والسيطرة على موارده ومقدراته والانطلاق منه نحو دول عربية وإسلامية كما خطط الوجه القبيح للصهيونية ومن يتماهى معه من الغربيين عامة والأميركيين خاصة.

والولايات المتحدة الأميركية هي الدولة الوحيدة في العالم التي تصدر قوانين تتعلق ببلدان أخرى وبقضايا تمس سيادة دول ومصالح شعوب أخرى وحقوقها التي لا تقبل التصرف، وتخالف القانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان وتتكلم باسمها في الوقت ذاته وتناصر ديكتاتوريات ظالمة لأنها موالية لها وتتكلم في الوقت ذاته عن الديمقراطية وتتدخل تحت رايتها في شؤون الآخرين بازدواجية عجيبة غريبة.. وتحدد عواصم " دول" في أرض محتلة مثل فلسطين وتقدم مساعدات هائلة وضمانات مفتوحة لدولة قامت على الإرهاب وما زالت تمارسه هي دولة الكيان الصهيوني، وتنتزع حقوق أمم وشعوب في عواصمها التاريخية لتمنح تلك العواصم والحقوق لمعتدين وغزاة وشذاذ آفاق، وتقرر تقسيم بلدان رغم إرادة شعوبها، وتصدر تشريعات تمس مقدسات عالمية لديانات إلهية وحقوق مئات الملايين من البشر حول العالم.

وبمثل تلك المواقف والقرارات والتدخلات يقدم الرئيس بوش نفسه لمليار ونصف مليار مسلم في العالم، ولأكثر من ثلاثمئة مليون عربي من بينهم مسيحيون ومسلمون تعني لهم القدس الكثير، يقدم نفسه صاحب قرار بتحديد الحق التاريخي في القدس بوصفه تلمودياً مطلق الصلاحية في هذه المنطقة من العالم على الرغم من إرادة أهلها، وهو بهذه الصورة ديكتاتور يفيض شراً وعنصرية وعدواناً ولا يهمه أن العالم كله فقد الثقة بمصداقية دولته التي كانت تتمتع بالثقة والمصداقية في يوم من الأيام لدى الكثير من شعوب العالم ودوله، إنه يفعل ذلك من دون مسؤولية ويبطش ويدع الصهاينة يبطشون بأهل غزة، ويهدد دولاً بالعدوان ويتهمها ويحاصرها ويعاقبها ويحشد ضدها، ويتدخل لينصب رؤساء ويزيل رؤساء عن سدة الحكم يفعل هذا لمجرد أن فريقه سيطر على السلطة بفساد شركة "إنرون" ولأن دولته تتمتع بقوة وحشية لا نظير لها يجسدها فريق من العنصريين المتطرفين يقودهم بجنون عظمة ونزوع ثأري قبيلي عنصري متصهين ومتخلف يتلفَّع بديمقراطية مزورة.

مسلمون كثر وقفوا اليوم في أنحاء عدة من العالم يقولون: القدس لنا والقدس مدينتنا والقدس رمز قضيتنا ومهوى أفئدتنا وبلسم قلوبنا فلا تدنسوها ولا تستهينوا بنا وبعقيدتنا.. بمقدساتنا وتاريخنا وإرادتنا وإيماننا.. نحن قادمون إليها طال الزمن أم قصر.. قادمون لنحررها من الدنس والطغيان ونرد عنها العدوان ونغسلها بالدمع والماء الطهور.. فالقدس مدينتنا تفتح أبوابها لنا ونفتح قلوبنا لها ونرخص كل شيء في سبيلها وسوف ندخلها إن شاء الله منتصرين.. كثير من المسلمين ينشجون اليوم على أبواب القدس ومداخلها ومن أجلها ويصلون.. وكثيرة هي المؤتمرات والمظاهرات والبيانات والصلوات التي قامت أو رفعت من أجل القدس.. وكثيرة أيضاً هي القادمة من ذلك النوع وأقربها مؤتمر عالمي كبير في استانبول خلال شهر تشرين أول/ أكتوبر الحالي.. فهل يتحول المسلمون من الكلام إلى الفعل ومن النشيج إلى امتلاك القوة المحررة باقتدار علمي وتقني ومعرفي وجهادي؟ وهل يسمع المحتلون وأنصارهم وعملاؤهم الذين يتواطؤون معهم والمتخاذلون من الحكام العرب والمسلمين أمام الحق والقدس وإرادة الشعب، ويفكر كل منهم بمسؤوليته حيال المدينة والحق والعدل والحرية والناس؟ هل يفعلون ذلك ويتصرفون وفق موقف الشعب الذي يفترض فيهم أن يمثلوا إرادته فيعدون لكل شيء عدته؟.. هل يسمع مجلسا الكونغرس في الولايات المتحدة الأميركية والرئيس بوش ومن يعنيهم شأن بلدانهم والحرية في العالم نداء الشعوب الإسلامية وإرادتها ويتفهمون مقدار تعلقها برموزها وعواصمها الروحية، أم أنهم ينغلقون على أنفسهم ويطمئنون إلى أن معظم حكام هذه الشعوب يدافعون عن كراسيهم وأنظمتهم ولا يعنيهم ما هو أبعد من ذلك من شؤون، ويلتزمون بقرارات الدولة الأعظم مهما كانت حتى يطمئنوا في مواقعهم، وأنهم لا قبل لهم ولا يعنيهم أن يرفعوا النظر، بله السلاح، بوجه المحتل فهم لا يعيرون اهتماماً لصوت الشعب ولا يرتدون إلى العقل ويعرفون أن إيماناً عميقاً يقف وراء هذه الجموع والمشاعر والحناجر ويحرك هذه الإرادات وأنه لن يغلب أبداً مهما امتد الوقت وكثرت التضحيات وتعمقت المعاناة؟

لا يكفي أن يعترف نواب الشعب الأميركي لأول مرة بعد مئات السنين من تأسيس دولتهم بأن الدين الإسلامي هو أحد أديان العالم الكبرى، وأنهم يقدمون لفتة طيبة لمليار ونصف مليار من المسلمين في العالم، حيث أقر مجلس النواب الأميركي يوم 5أيلول/ سبتمبر 2007 لفتة قراراً تحت رقم H. RES. 635 5  قدمته السيدة إدي برنيس جونسون من تكساس مع جورج ميكس من نيويورك وكيث إليسون النائب المسلم الوحيد في المجلس ينص على أنه:

" في هذا الوقت الذي يشهد الصراعات، وإظهارا للتضامن مع أبناء المجتمع الإسلامي في الولايات المتحدة والعالم وتأييدا لهم، يعترف مجلس النواب بأن الدين الإسلامي هو أحد أديان العالم الكبرى، واحتفالا بمقدم رمضان شهر الصوم والتجدد الروحاني المبارك عند المسلمين وتعبيرا عن الاحترام له، يأخذ مجلس النواب علما ببدء رمضان ويعبر عن أعمق مشاعر احترامه للمسلمين في الولايات المتحدة وجميع أنحاء العالم في هذه المناسبة الهامة.".. بل الأهم أن يعرفوا حقوق هؤلاء وحقيقة دينهم ومواقفهم من قضاياهم وعلى رأسها قضية القدس. إن هذه اللفتة الطيبة تستحق الشكر لمن بادر لها ولمن اقرها ولكنها لا تكفي أبداً ولا تمنعنا من رؤية المآسي التي يسببها الأميركيون لأمتنا من خلال تأييدهم الأعمى للاحتلال الصهيوني وللقدس عاصمة موحدة وأبدية له وهي عاصمتنا بكل المعاني، وعدوانهم المستمر على شعوبنا وبلدان مستقلة يحتلونها، وقراراتهم السقيمة مثل تقسيم العراق.. إلخ إن هؤلاء مطالبون بالعودة إلى الحق والحرية والعدل واحترام الشرائع والتشريعات الدولية وسيادة الدول ومصالح الشعوب وثقافاتها وعقائدها ومقدساتها.. لكي يوقفوا انهيار مصداقيتهم والجرائم البشعة التي يرتكبونها.. إن إيقاف الدم والدمار والعدوان والانحياز أهم من الكلمات الطيبة التي تتواكب مع إطلاق الرصاص والصواريخ.

 دمشق في 5/10/2007

علي عقلة عرسان

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |