|
| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث | |
|
حاجتنا إلى التنمية الشاملة في وطننا العربي حاجة ماسة لمعالجة موضوع التنمية بصورة عامة والتنمية البشرية بصورة خاصة، ويبدو الإلحاح الكلامي الذي يلامس المشكلة من آن لآخر وكذلك محاولات لفت الانتباه أو تركيز الاهتمام على هذا الموضوع، أمراً حيوياً للغاية، لأن ما تعانيه الأمة من نقص في كل مجال من مجالات الحياة والعمل والتكوين والتخطيط والتنفيذ شديد الخطورة ويكاد يكون قتالاً لنهضتها وتطلعاتها وطموحاتها واستشرافها للمستقبل. وكل جهد ومال نبذلهما في التنمية والمشاريع الاستثمارية والخدمية المتنوعة يبقيان عرضة لضياع الإنتاجية والجدوى والمردود إن لم يترافق ذلك مع تنمية وعي الإنسان وقدراته وإحساسه العميق بالانتماء والمواطَنة وموقع الآخر الشريك وبالمكانة والدور في الوطن والنهضة والموقف من التحديات الملقاة على عاتق الأمة وأبعاد تلك التحديات ونتائج عدم التصدي لها.. لأن كل مشروع تنموي وخدمي يؤول إلى التآكل والضياع على يدي الإنسان الذي لا يتقن التعامل معه ولا يحافظ عليه ولا يدرك ضرورته ولا يستطيع تطويره والبناء عليه وتقدير مردوده الحيوي على الشركاء في الوطن وصولاً إلى المشاركة في الشرط الإنساني والمصير الإنساني مع كل الناس بوصفهم شركاء في المعرفة والتنمية والحضارة ونتائجها. والتنمية البشرية أساسية هنا، هي تنمية علوم ومعارف وقدرات ومهارات عملية وتقنية وصولاً إلى الإبداع في كل مجال من المجالات التي يصل إلى الإبداع فيها متميزون. ويبدو لي أن كل تكوين وتنمية لقدرة ومهارة وإبداع في أي مجال ينبغي أن يترافق مع برامج مستمرة لتنمية روحية في إطار الصحة الجسدية والنفسية والاجتماعية لترسيخ مفاهيم إنسانية وقيم خلقية ومعايير سليمة يقاس عليها الفعل والسلوك وتساهم في تحديد مراتب الأفعال والأشخاص، لأن الإنسان الذي يخوض في كل ميدان علمي أو عملي نظري أو تطبيقي، تكون له القيم الروحية والخلقية والإنسانية والمعايير الوضعية السليمة بمثابة البوصلة والمسبار لتحديد التوجه والإنجاز والمصلحة البشرية في ذلك ومعرفة المستوى الذي وصل إليه والمستوى الذي ينشده أو ينبغي أن يصل إليه.. قال ابن خلدون:" لا بارك الله في علم لا ينفع"، فالمعرفة التي لا توضع في خدمة الناس أو لا ترتدّ عليهم منفعة لهم في المدى القريب أو البعيد هي نوع من حجب حاجة عامة أو إضاعة جهد فيما لا يفيد، مثلها في ذلك مثل كنز المال وحجبه عن التداول والاستثمار فيما يعود على أصحابه والناس بالفائدة. ويفيد في تبين النافع من الضار والصحيح من المعتل في هذه المجالات وعي فردي وجمعي عميق وشامل، قادر على التمييز والتقدير والمبادرة والقيام بالتصحيح والدفع باتجاه التطوير وفق معايير لتقدير الضرورات والحاجات والجهد من جهة ولرفع المستحقين من المنتجين والمبدعين إلى المراتب التي يستحقونها من جهة أخرى ليبقى هناك تقدير وحافز، وليبقى بموازاة ذلك وفي إطار حاكمية المعايير ما ينفع الناس وما يحتاجون إليه وما تستدعيه ضرورات البقاء والتطور والأمن والاستقرار والازدهار وصولاً إلى بلوغ ما يحقق السعادة وفق أسس ورؤية ومعرفة وقيم وذوق. إن ما هو في مصلحة صحة الإنسان جسدياً ونفسياً واجتماعياً هو أخلاقي، وترتبط صحة الإنسان بصحة المجتمع، أي بسلامته بنية ونهجاً ومعياراً، وسلامة أي مجتمع مرتبطة إلى حد ما بسلامة المجتمعات الأخرى المجاورة أو التي تتبادل معه ويتبادل معها المصالح والاعتماد، فالعدوى تنتقل في كل اتجاه وتكون في مجالي السلب والإيجاب، ومثلنا العربي يقول " إن كان جارك بخير فأنت بطرفه". وسلامة المجتمع منوطة بالسياسات وأحكامها وتوجهاتها ومعاييرها وأهدافها ووسائلها وأدواتها؛ وينبغي ألا يبعدنا هذا عن الأخلاقي وارتباطه بصحة الاجتماعي والسياسي وبمعيار سليم وعملي للأخلاق وما هو أخلاقي. والأخلاق تتجلَّى في السلوك والتعامل والمواقف وفي ما يحكم ذلك من منظومات قيم ومعايير أداء وحكم يراعيها الأشخاص وتراعيها المجتمعات والمؤسسات والدول والهيئات الدولية ذات القوانين الحاكمة للتصرفات والممارسات، وفي ضوئها يتم تفسير الأمور والحوادث وتفهم المواقف والأحكام على الأشخاص والأفعال، ويُحكم على السياسات والبرامج التنموية وغير التنموية، وما يخطط له علماء ومسؤولون وحكام وما ينبغي أن يلتفتوا إليه ويمنحونه اهتماما وأولويةً. فالحاكم مثلاً من موقعه السياسي يرى أنه معيار أو فوق المعيار، وأن قراره السياسي ينبغي أن يتخذ وينفذ بصرف النظر عن الاعتبـــــــــــارات الأخلاقية والمردود الاجتماعي في نطاقيهما الضيق والواسع، وغالباً ما يرى ويقرر من خلال معلومات ومعطيات أهمها ما يقع في دائرة بقائه واستقرار حكمه ومصلحته، بصرف النظر عن الآخر والنتائج التي تترتب على قراره سلباً أو إيجابا مما ينعكس على وطنه وشعبه ويجد ما يسوغ ذلك فهو مسؤول وهو قمة الهرم وهو سيد عهده!؟ ولكن يبقى من حق السائل أن يطرح السؤال: ما لذي يضمن لنا ـ عندما يصل عالم أو حاكم أو مسؤول يضع نفسه فوق كل ضرورة لتنمية ذاتية معرفية وروحية وثقافية وخلقية، إلى درجة من التفكير والتدبير تلحق الضرر بالآخرين والوطن وتجر على الإنسانية أحياناً المخاطر أو الكوارث ـ أنه يرى من جانبه أن قراره اتخذ بدافع أخلاقي وحسب معيار ليس هو مرجعيته ومقياسه، وأن ما قرره أو قام به وأمر بتنفيذه هو لمصلحة الشعب أو الأمة أو الوطن؟ ألا يجوز أن تتماهى ذاته مع المصلحة العامة وتتداخل في نظره الأمور والمصالح من خلال ذلك التماهي؟ ما هي الضوابط المعيارية لأي تصرف أو حكم أو إنتاج إذا ما اعتبر الشخص المعني أن كل شيء مباح له وكل المعايير تنبع منه أو تقع تحت سقفه أو لا تعنيه.. فهو الدولة على طريقة لويس الرابع عشر؟ إن القضية تُدخل الجميع في دوائر الخطر لأن كل تصرف يبنى عليه تصرف، وتدور العجلة إما في الاتجاه الصحيح وإما في الاتجاه الخطأ.. ولا يتوقف دوران عجلة ترتبط بأحداث ومصائر ونهضة وصحة ومصالح.. بدول ومجتمعات وأفراد، بتقدم وتطور، بتنمية وتحديث.. بحرب أو بسلم .. إلخ عند حدود من يقرر من زاوية خاصة قد تكون أضيق من أن تتيح رؤية مقبولة ومؤهلة لاتخاذ قرارات وتقرير توجهات وبرامج تؤثر في مصائر كثيرين. عندما ترى سياسة ما أو يرى سياسي ما أن له الحق، بحكم مصالحه وتنفيذ رؤاه وسياساته ومسؤولياته، في أن يفعل ما يشاء من أجل تحقيق أهدافه بعيداً عن كل معيار أخلاقي وعن كل الحسابات الإنسانية وعن كل ما قد ينفع الآخرين أو يهتمون به، فإنه ينتهج نهجاً عماده المكيافيلية وقاعدته : الغاية تبرر الوسيلة، و: خذ ولا تسأل كيف، واحكم ولا تسأل عن الثمن. وما لم تحرص الدول والحكومات والأشخاص على القيمة الأخلاقية والإنسانية للفعل والقرار والتصرف السياسي فإن الضرر يكون شاملاً وردات الفعل على ذلك النوع من الفعل ربما يكون سلبياً وعنيفاً يزعزع الاستقرار ويفقد المجتمعات الأمن، وعلى السياسات أن تنطوي على احترام الإنسان والوجود والحقوق والقيم وما يبني الإنسان والمجتمع والمعرفة ويبقى على حد أدنى من مستوى مقبول في الحياة.. وعندما تبتعد كلياً عن ذلك تفلح في خلق غابة يعيش فيها البشر لا في خلق مجتمع إنساني تزهر فيه السعادة. ونحن أحوج ما نكون إلى ما يخرجنا من فوضى الغابات وقوانينها وتقاليدها وظلماتها ويضعنا في الاستقرار والنظام والأمن والنور وسلامة السياسات التي تبقي على حياتنا وقدراتنا على التطور والنمو.. نحن بحاجة إلى تنمية بالمعنى الشامل وتنمية ثقافية وروحية سليمة، وإلى استخدام طاقاتنا وأموالنا وإبداعنا في خدمة بلداننا ومجتمعاتنا بما لا يلغي إنسانيتنا من جهة لا يجعلنا أسرى التطرف البشري الذي قد تمارسه مجتمعات ومجموعات ودول وحكومات تأخذها العزة بالإثم وتقتحم علينا بيوتنا وتلغي خططنا ومصالحنا وقيمنا ووجودنا ذاته. إن كل تنمية تحتاج إلى الوعي والمعيار والقيمة والإمكانيات والأموال، ولا يوجد أفق عام واسع لأي تنمية لا تضع التنمية البشرية، الروحية والمادية، المعرفية والسلوكية، النظرية والتطبيقية على رأس اهتماماتها لأن ما يُبذل فيه الجهد والمال يحتاج إلى من يحفظه ويستثمره ويطوره. ولا يوجد تنمية من دون قرار سياسي حكيم وحازم واستراتيجي بعيد النظر، ومشاركة غيورة من القادرين والمبادرين.. تنمية يغذي دوافعها الانتماءُ والشعورُ بالمسؤولية والغنى الروحي الأصيل الذي يربط الناس بعقيدة وهوية وأمة وواقع ويجعلهم يدخلون من خلال الإخلاص لذلك كله دائرة الإنساني والدولي والخالد المغرية والواسعة. فهل نتطلع إلى ذلك ونطمح إليه وتتعلق آمالُنا بتنمية شاملة بالمعنى الصحيح والسليم، تنمية نحتاج إليها أشد الحاجة، تكون فيها أموالنا وعقولنا وقدراتنا المتوطّنة في أرضنا والمهاجرة بعيداً عنا في أرض الآخرين، تنمي وتنمو هناك، هي الأساس لنقوم بأعبائنا وهي كثيرة استناداً منا إلى إمكانياتنا وهي كبيرة ؟ أسأل الله سبحانه لنا جميعاً هداية وتوفيقاً لما يحب ويرضى. بيروت في 25/10/2007 علي عقلة عرسان
|
|
| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث | |