| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

لمن تقرع الأجراس النووية في واشنطن

لمن تقرع الأجراس النووية الأميركية اليوم بهبوب موجة الادعاء بأن سورية اقتربت من تشغيل مفاعل نووي لأغراض غير سلمية ينتج البلوتونيم، دمره الكيان الصهيوني في السادس من أيلول 2007 قبل بدء تشغيله بأسابيع أو أشهر؟ هل تقرع لسورية التي سخرت من هذا الادعاء في حينه وعند هبوب موجته الجديدة وكذبت كل ما يتصل به، وأشارت إلى أن المنشأة التي استهدفها الكيان الصهيوني بالقصف هي منشأة للأبحاث الزراعية، أو منشأة عسكرية مهجورة لا يوجد فيها حراسة من أي نوع.؟ أم تقرع لبيونغ يانغ التي يزعم من يقفون وراء التقرير الذي قدم للكونغرس الأميركي أنها ساعدت سورية على بناء ذلك المفاعل، في إشارة إلى عدم التزامها بعدم انتشار السلاح النووي وتحميلها مسؤولية انتشار هذا النوع من النشاط في قارة آسيا على الخصوص؟ أم أن الأجراس تقرع لجهات سياسية في الكيان الصهيوني اتجهت نحو تحريك التفاوض على المسار السوري، وأعلنت أنها على استعداد لانسحاب تام من الجولان في مقابل ثمن معروف، وأبلغت دمشق عن طريق تركيا أنها جاهزة لبدء مفاوضات على تلك الأرضية المعلنة.. لأن ذلك لم يكن بموافقة أميركية مسبقة؟ أم أن الأجراس تقرع لما تسميه واشنطن " حلف المتطرفين: سورية وإيران والمقاومة اللبنانية والفلسطينية والعراقية.. " التي يراد لها أن تتنازل عن خيارها التصدي للاحتلال، وتوقف المقاومة، وتنزع سلاحها وتتحول إلى عمل سياسي، وتقبل بما أملي على " تحالف المعتدلين" من حلول تصفوية لقضية فلسطين والصراع العربي الصهيوني وحق العودة وفق منظور أميركي ـ إسرائيلي مشترك ما زال استراتيجية قائمة؟

الأجراس تقرع بيد مسؤولين في البيت الأبيض والكونغرس، عددهم محدود، وصوتهم مرتفع، وقدرتهم على الكذب لا حدود لها.. ومن ثم فإن موجة الادعاء تهب على العالم بقوة وقسوة مهددة متوعدة ومطالبة بإنزال عقوبات وتشديد عقوبات، مخفية وراءها ما هو أبعد من العمل السياسي والحصار والعقوبات والتهديد.. ومن ذلك الذي تخفيه إعداد واستعداد لحرب تعيد لكلب الحراسة الإسرائيلي ثقته بنفسه، وللقوة الأميركية المهزومة في العراق قدرة وثقة جديدة بعزم بووش على أداء دموي قبل أن يرحل غير مأسوف عليه، وتعطي لمن ارتبط بهذا الخط واستند إلى هذا الجدار فرصة التقاط الأنفاس وإعادة تنظيم المشتت، وربما الاطمئنان للمستقبل؟.

ربما كان مفيداً تذكير العالم بالكذب الأميركي الفظيع أمام مجلس الأمن الدولي بلسان وزير الخارجية كولن باول قبيل العدوان الوحشي على العراق، وربما كان مفيداً أيضاً التذكير بالنتائج التي أسفر عنها الفعل الأميركي الكارثي في العراق على الصعد كافة: عسكرية وأمنية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية..إلخ،  فلم يكن أبشع ولا أقذر من هذه الحرب ومن الذين وقفوا وراءها وما يزالون.. وقد أسفرت عن معطيات سياسية واستراتيجية في صالح من شنها ووقف وراءها، وعن أخرى ضد الإنسان والعدل والقيم تدل على الغباء ولا تحسب في صالح من شنها ولا من أيدها وساعد عليها.. فإذا كانت قد هدفت إلى القضاء على العراق، وقضت على قوته لمصلحة الكيان الصهيوني، وسيطرت على نفطه لمصلحة احتكارات تشيني النفطية ومن معه، وأراحت بعض العرب من نظام الرئيس المرحوم صدام حسين، فإنها أشعلت حرباً كلفت العراق أكثر من مليون قتيل وملايين المشردين عن وطنهم وفي وطنهم، ودماراً ثقافياً وحضارياً وصناعياً كبيراً، وحرباً داخلية بين العراقيين على أسس طائفية وغير طائفية، ووضعت إيران في موضع استراتيجي متقدم في العراق والمنطقة لا يريده لها الصهاينة والأميركيون وبعض العرب، ومن ثم جددت المخاوف فيها.. ولم تنقض الحرب معمار المقاومة في المنطقة بل حسنت أداءها وجعلتها قوة ردع لا يستهان بها في كل ساحات المواجهة مع الاحتلال.. لا سيما في لبنان بمواجهتها المحتل الصهيوني حيث انتصرت في حرب تموزـ آب/ يوليوـ أغسطس  2006 وغيرت من معادلات الصراع وحساباته بين الكيان الصهيوني ومن يمكن أن يتصدى لاحتلاله وقوته ومشروعه الموجه ضد الفلسطينيين وأرضهم وحقوقهم، وضد العروبة والإسلام وقيمهما ومقوماتهما.. بتحالف استراتيجي صريح مع الولايات المتحدة الأميركية ومن يسير في ركابها من الدول والقوى الأوربية وغير الأوربية.

إن من يحسب حسابات سياسية واستراتيجية دقيقة سواء أكان من المحتلين أو ممن يتحالف معهم، يدرك جيداً أن وقائع جديدة على الأرض قد نشأت في أثناء الحرب الأميركية ـ البريطانية على العراق وفي أثناء عدوان الثلاثة والثلاثين يوماً الصهيوني على لبنان، وأن تلك الحسابات والإضافات ما زالت تنشأ وتتكاثر وتتصاعد إلى الحد الذي يهدد الهيمنة الأميركية المطلقة والنهج الصهيوني المعتمِد على القوة والعنصرية وبشاعة إرهاب الدولة وجرائمها البشعة، بمعطيات جديدة تؤسس لبداية نهاية الاحتلال والهيمنة والظلم والعدوان.

وعود إلى من يستهدفهم قرع الأجراس الأميركية من واشنطن نتوقف عند احتمالات وإمكانيات وتوقعات منها:

1 ـ احتمال تراجع فريق من " الإسرائيليين" يدعون إلى التفاوض مع سورية لأنهم يرون أن التوصل إلى تفاهم معها يوفر:

* إمكانية إضعاف حزب الله أو يشترطها، ويضع حداً لنشاط فصائل المقاومة الفلسطينية التي لها مرجعيات قيادية في دمشق.

*يستثمر في المناورة بين المسارات العربية ليكسب أكثر من تنازعها وتنافرها وغياب التنسيق فيما بينها، فيقدم إغراء لسلطة أبي مازن ومسار التفاوض الصهيوني معها على حساب تجميد المسار السوري، وينتزع منها سقفاً متدنياً جديداً للمطالب الفلسطينية.. وما إعلان بوش عن تقديم تعريف للدولة الفلسطينية إلا تبشير ينطوي على شيء من ذلك ويغري به الإسرائيليين، بصرف النظر عن التوجه نحو دمشق والاكتفاء بسقف مطالب فلسطينية جديد يحدده التعريف "البوشي" للدولة الفلسطينية المنتظرة التي يعتبرها من أولوياته. 

*يبشر بتراجع العلاقة الاستراتيجية تدريجياً بين سورية وإيران. وهو ما يراه بعض الأميركيين أمراً ممكناً إذا حزمت الإدارة الأميركية أمرها في هذا الاتجاه واختارت هذا الخيار.؟ بينما يقول آخرون: " .. إن إمكان إنهاء عقد الزواج بين سورية وإيران.. ضرب من الخيال".

واحتمال التراجع ذاك وارد " لأن البيت الأبيض "غير مهتم على الإطلاق بإعادة إحياء مفاوضات السلام بين سورية وإسرائيل." ولأن الإسرائيليين عند الجد لا يخالفون واشنطن.

2 ـ احتمال تراجع سوري أمام تهديدات أميركية ـ إسرائيلية، وتليين الموقف من قضايا أشرت إليها في الفقرة السابقة وأخرى تتصل بالمسار اللبناني ـ الإسرائيلي وبما يطلب من سورية تجاه لبنان، مما هو معلن معروف، لخصه الرئيس السنيورة في خطابه يوم 28 آذار / مارس 2008 قبل القمة العربي في دمشق، ومن ذلك:

* الوضع في لبنان، حيث يطلب تدخل سوري لإضعاف المعارضة أو لتخفيف سقوف مطالبها، ومن ثم التفرغ لإضعاف المقاومة اللبنانية بمحاصرتها تمهيداً لسحب سلاحها.. الأمر الذي يرضي إسرائيل ودولاً أجنبية وجهات عربية.

* الوضع في العراق حيث يطلب المزيد من حصار المقاومة العراقية والتضييق عليها، ومطالبة سورية بتعاون ضدها، وبتعاون أوسع مع الحكومة العراقية، وعدم التشبث بمواقف سورية تؤكد على وحدة العراق أرضاً وشعباً، وعلى سيادته وانسحاب قوة الاحتلال منه، وتأكيد انتمائه العربي والإسلامي.

* التحالف مع إيران، والتأثير باتجاه تخفيف الحضور الإيراني في المنطقة، والتهديد الإيراني لإسرائيل، والتجاوب مع مخاوف دول وأنظمة عربية من تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة الذي تغذي الولايات المتحدة الأميركية المخاوف منه.

3 ـ احتمال استئناف التصعيد ضد كوريا الشمالية لأغراض سياسية أميركية، واستراتيجيات جديدة في جنوب شرق آسيا وفي إفريقية، حيث تتوجه الصين بقوة وتصميم لحماية مصالح لها هناك، منها الحصول على النفط والغاز.

إن الادعاءات التي تقدمها الولايات المتحدة لتسويغ حملة جديدة ضد سورية على أرضية الافتراء النووي، لا تتمتع بأية مصداقية ولا بأي ثقل حقيقي.. حيث لا توجد وثائق ولا قرائن ولا معطيات مقنعة تثبت مثل هذا الادعاء الأميركي الفظ.. وقد قيل بوضوح في تصريحات أميركيين معنيين بالموضوع : " إن المفاعل لم يكن مكتملاً، لكنه كان متطوراً بما يكفي لمحاكاة المفاعل الكوري في يونغبيون.. ولم يعثر على دليل في الموقع على وجود يورانيوم لتشغيل المفاعل."؟

ـ " لم تظهر صور متحركة من داخل المنشأة أو أي عمال كوريين داخلها، إلا أنها تضمنت صورا فوتوغرافية تظهر التشابه بين تصميم المفاعل السوري والكوري الشمالي.".

 ـ "إن اليورانيوم الذي يحتاجه المفاعل للعمل لم يكن ظاهراً في الموقع."

ومع ذلك النقض لمعمار التهمة وحضور خواء منطقي في الادعاء، قالت دانا بيرينو، «نحن على قناعة، بناء على معلومات متنوعة، أن كوريا الشمالية ساعدت في أنشطة نووية سورية سرية». و «لدينا أسباب كافية للاعتقاد بأن المفاعل الذي تعرض في 6 أيلول العام الماضي لأضرار غير قابلة للإصلاح، لم يكن الهدف منه استخدامه للأغراض السلمية".. ألا يبدو هذا عجيباً؟ وقال مصدر أميركي آخر: " بناء هذا المفاعل (السوري) هو تطور خطير ومزعزع محتمل للمنطقة والعالم.".

ألا ينطوي هذا الكلام على استهانة غير محدودة بعقول الآخرين ووعيهم؟ ألا يذكرنا بموجة الافتراء الرهيبة التي اكتسحت العالم قبل العدوان الأميركي ـ البريطاني الكارثي على العراق؟ ألا يذكرنا برئيس أميركي ووزير خارجية له وبمستشارين على مستوى الأمن القومي الأميركي وبإعلاميين بلغوا حد الفجور في الكذب واختلاق الأسباب النووية قبيل تدمير العراق واحتلاله؟ ألا تذكرنا عبارة: "تطور خطير ومزعزع محتمل للمنطقة والعالم" التي قيلت عن بناء لم يكتمل ولا يعرفون حقيقة أغراضه.. بما قيل عن أسلحة صدام حسين النووية التي "تهدد المنطقة والولايات المتحدة الأميركية والعالم كله" ومن ثم لم يعثر على شيء منها بعد تدمير العراق واحتلاله؟ ألا تشير هذه الافتراءات التي أرجئت ثمانية أشهر عن وقت الهجوم الإسرائيلي الذي تم بتنسيق ودعم وتسهيلات وتقديم عتاد أميركي معين له، وتم السكوت عليه .. إلا يشير ذلك إلى مدى تطور مدرسة الافتراء الأميركية الصهيونية وتحديث أساليبها واستمرار أدائها بغباء مكشوف، وتصعيد الافتراء المؤسِّس للعدوان والحصار وغير ذلك مما أبدعت فيه إدارة بوش ووظفته بانتقائية غريبة أكدها النائب الأميركي غاري أكرمان الذي قال في افتتاح جلسة استماع منفصلة عن السياسة الأميركية إزاء دمشق حضرها معارضون سوريون، إن "هذا التحكم الانتقائي في المعلومات قادنا إلى حرب العراق.".؟!

لم يصل العالم بعد إلى درجة الوقوف بوجه الكذاب والمعتدي ولا إلى الأخذ على يد السفهاء ومثيري الحروب والفتن وتجار السلاح والدم، ولم يصل الشعب الأميركي ـ رغم الادعاء الكبير ـ إلى درجة الوعي والحزم اللذين يضعان لعدوانية مسؤولي بلادهم حداً ويوقفان تدهور سمعتها إلى الدرك الأسفل، سياسياً وأخلاقياً، على يد بعض أولئك المسؤولين.

ولذلك علينا أن نأخذ موجة الافتراء النووية الأميركية على سورية بمنتهى الجدية والحذر، وأن نتوجه إلى من تبقى في العالم ممن يتحسسون الخطر، ويتصرفون بضمير ومسؤولية، ويرفعون الصوت وليس السلاح بوجه العدوان، وإلى ما بقي من عقل وذاكرة وشعور وتضامن عربي لدى بعض العرب..  لنذكرهم بمعنى تدمير بلد بنوايا عدوانية مبيتة تتذرع بذرائع أسلحة دمار شامل نووية وغير نووية وبقيم مثل الدمقراطية والحرية وحقوق الإنسان.. وبأبعاد ومعاني القضاء على مواقف الممانعة والمقاومة العربية موقعاً وموقفاً بعد موقع وموقف.. ونؤكد للجميع أن كل طرف يُقطع أو يَضعف من جسم الأمة سيؤدي بالضرورة إلى إضعاف جسم الأمة كله.. وسوف تنعكس نتائج الضعف والبتر على الأمة وقضاياها ومصالحها وربما على وجودها ذاته.

دمشق في 25/4/2008

علي عقلة عرسان

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |