| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

ماسادا سوف تسقط ثانية

خطاب الرئيس الأميركي جورج بوش الذي ألقاه في الكنيست الصهيوني يوم 15 أيار 2008 خطاب ضد العدالة بامتياز، يرشح منه التعصب الديني التلمودي والكراهية لأبناء إبراهيم من غير اليهود، ويعج بالمصطلح الأسطوري الديني والتاريخي اليهودي، ويعلن بما لا نظير له على الرغم من السوابق المتوترة  التزاماً مطلقاً بأمن الكيان الصهيوني وازدهاره وتفوقه الشامل على العرب والمسلمين، ويغوص في الأحلام والرؤى البوشية الشهيرة ذات الطبيعة الدينية التي يطبقها في أرض الواقع انطلاقاً من " تكليف رباني له برسالة؟" ولا يخلو أيضاً من هلوسات ووعود هي الوهم المتميز كما ثبت من كلام سابق للرئيس حول الانتصار التام في العراق وانتهاء المهمة بينما الحرب مستمرة والمقاومة العراقية تحقق حضوراً، ويرى الرئيس إسرائيل بعد ستين سنة " "ديمقراطية مزدهرة في قلب الأرض المقدسة" وسيداً مهيمناً ويرى العرب في السلة اليهودية بعد أن يتم اجتثاث المقاومة والقضاء على كل أحلام الممانعين دولاً أم أحزاباً أم جماعات، وتقام بلدية لموالين فلسطينيين للكيان الصهيوني تسمى دولة وتلاحق من يفكر بالمقاومة ومن يعترض على هيمنة الكيان الصهيوني وحليفة الأميركي.

ولم يدع الرئيس المأخوذ بحماسة لا نظير لها للكيان الصهيوني، كلمة ذات بعد تعبيري عن ولائه للصهيونية ودعمه إسرائيل وميوله اليهودية إلا وقالها بما لا يمكن لأي يهودي صهيوني متعصب أن يقوله.. وربما أدرك شمعون بيريس برضا كبير حماسة الرئيس من جهة ومخاطرها من جهة أخرى فقال له: ".. إنه وقف إلى جانب إسرائيل كما لم يفعل أي شخص آخر وهو أمر صائب، ولكنه لا يصب في مصلحة إسرائيل على المدى الطويل". بمعنى أن الحماسة ذات الرسائل الكبيرة في اتجاهات كثيرة تشجع التطرف الصهيوني أيضاً وقد تعيق الحلول.

خطاب بوش يحمل رسائل عدة لجهات عدة، نشير إليها ولا نغرق فيها

1 ـ رسالة إلى العرب الذين يقاومون أو يناصرون المقاومة ويمانعون في ضربها وخذلانها، مفادها أنه يعطي " إسرائيل" كل الحق باجتياح غزة قريباً لاجتثاث المقاومة، وأنهم سوف يخسرون وينتصر فريق العرب الذي معه ممن يسميهم المعتدلين، وهي رسالة في الوقت ذاته لمن معه من العرب يذكرهم بأن إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، وأنها تحظى بكل الدعم بوصفها كذلك ـ على الرغم من أنها دولة احتلال، ودولة ليست لكل مواطنيها، وتتفشى فيها عنصرية بغيضة، ودولة عسكرية بالمفهوم التام وليست مدنية بالمعنى الدقيق ـ  ويذكرهم بأنهم غير ديمقراطيين مثل " إسرائيل الفريدة" في ديمقراطيتها وهو يناصر الديمقراطية وينشرها بالصواريخ العابرة للقارات، وعليه فإن ما يحميهم هو بقاؤهم على تحالف معه سداه ولحمته أمن إسرائيل والاعتراف بها وتطبيع العلاقات معها ومواجهة الآخرين باسم عقيدتها ومصالحها.

2 ـ رسالة للداخل الصهيوني المهتز منذ حرب تموز 2006 تفيد: إننا معكم وسوف تنتصرون وتأمنون ولن تسالوا عن جرائمكم فأنتم مثلنا ومثل آبائنا المؤسسين الذين أبادوا الهنود الحرم من دون رحمة.. لا تخافوا.. مبارك ما تريقونه من دم العرب باسم الرب والديمقراطية والحرية، ومبارك وعد الرب لكم..

3 ـ رسالة لتيار الهجرة اليهودية في الاتجاهين: هجرة إلى الكيان الصهيوني وهجرة منه، تفيد بأن إسرائيل آمنة ومزدهرة ومهيمنة وسوف نحفظ أمنها وقوتها وتفوقها.. فهاجروا إليها ولا تهاجروا منها، وتفاءلوا بمستقبلها.

4 ـ رسالة إلى لداخل الأميركي تفيد بأن الرئيس بوش وحزبه ناصرا إسرائيل كما لم يفعل رئيس أو تفعل إدارة من قبل، فانتخبوا مرشح الحزب الذي يناصر إسرائيل ويتعهد باستمرار الاحتلال، ويخوض حرباً مقدسة على العرب والمسلمين.. انصروا الفيل على الحمار.. ولا تنسوا أن الفيل والحمار في معركة ضد من ليس معهما.

5 ـ رسالة خاصة تقول لليهود ومن يقف معهم ويناصرهم ويحتفي بانتصار دولتهم، وتقول للمؤمنين على طريقته في الولايات المتحدة والغرب والعالم: " ها أنذا جورج بوش الابن أخرج من ولايتي الثانية رئيساً للولايات المتحدة الأميركية وأنا في قمة الهياج العاطفي والديني والسياسي من أجل "إسرائيل"، فاذكروا ذلك وسجلوه لي، وتذكروا أنني خضت حرباً صليبية في العراق وأفغانستان ضد العروبة والإسلام وما زلت أخوضها وأبشر بتوسيع دائرتها.. فاعلنوا ابنكم البار جورج دبليو بوش الذي يودع البيت الأبيض، بطلاً قومياً وبطلاً يهودياً، وأدخلوني التاريخ ربانياً بامتياز وليس كما يريد البعض أن يسميني مجرماً بامتياز.. فقد عملت وفق أحكام التلمود والتوراة وما تيسر من الإنجيل وكنت أنفذ ما يأمرني به الرب مباشرة".

يفيض خطاب الرئيس بوش تعاطفاً وإعجاباً بالكيان الصهيوني من جهة وكراهية لمن يسميهم " أعداءه" من جهة أخرى ويشكك في دينهم وانتمائهم للإسلام، ويعطي الضوء الأخضر بحرب إبادة مستمرة ضدهم . وهو يرسل هذه الرسائل باسم الأميركيين والإدارات الأميركية القادمة متابعة لنهج اتبعته إدارات أميركية سابقة ناصرت الكيان الصهيوني في كل شيء ولكن ليس بالقدر الذي فعله هو. وبوش يضيف اليوم في ضماناته وتعهداته ورؤاه المستقبلية عدد سكان الكيان الصهيوني إلى عدد سكان الولايات المتحدة الأميركية في أية مواجهة محتملة ويصرح بأن 307 ملايين هم مجموع سكان الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني سيدافعون عن " إسرائيل"؟ ولم ينس أن يعرج على التاريخ الصليبي القريب فذكر الضابط في جيش الاحتلال الصليبي الذي دخل دمشق بعد الحرب العالمية الأولى وقصد الحي اليهودي فيها وأعطى لحاخام يهودي هناك مفتاح القدس، فصلى الحاخام وشكر وارتاح للحصول على وعد وعهد وضمانة ودليل في الوصول إلى " أرض الميعاد من جديد".؟!

بوش لم يكترث بالألم الفلسطيني، ولم تهزه حقائق ما عاشوه في الشتات والقهر والمعتقلات والملاحقات وأشكال وأنواع الإبادة منذ النكبة عام 1947 حتى اليوم وقبل ذلك في فصول معروفة على أيدي العصابات الصهيونية وجيش الاحتلال وإرهاب الدولة الصهيونية التي يدعمها بلا حدود ويباركها ويبارك إرهابها ويراه فعلاً مقدساً تباركه كنيسته ويدين كما تدين من يقاومون اليهود العنصريين المحتلين الذين يرتكبون فظائع تفوق ما ارتكبه النازي بكثير.

إنه يصرخ في الكنيست، كما يفعل الشبان الذين يزورون الأماكن المقدسة اليهودية في القدس "حائط البراق" و"قلعة مسعدة" على البحر الميت وغيرهما.. يصرخ بتشنج اعتقادي متطرف ونزعات يهودي صهيوني مهووس تماماً بأوهامه وأحلامه، يصرخ " لن تسقط قلعة ماسادا مرة أخرى"!!

حسن أن ذكّرنا الرئيس بـ "ماسادا" وبالتاريخي والراهن من الأمر ولم ينس المستقبلي بعد ستين سنة على الأقل من خطابه في الكنيست حيث يكون احتفال " إسرائيل" بالذكرى المئة وعشرين لإقامتها على أنقاض فلسطين وآلام شعبها، ونصح بعدم التفاوض مع المقاومة مشيراً إلى هتلر والنازية رامياً إلى عقد مقارنة بين المقاومة ورموزها من جهة والنازية ورموزها من جهة أخرى، متناسياً أن كل ما قاله في هذا المجال ينطبق على الكيان الصهيوني وعصاباته ورموزه وتاريخه، فهو العنصرية والنازية الجديدة والإرهاب الصراح، كم ينطبق على من نصر ذلك الكيان  ويناصره في قضية هي ضد العدالة بامتياز ومع الإرهاب والعنصرية بامتياز أيضاً.  

قال الرئيس: " ماسادا لن تنهار مرة ثانية" وقوله هذا من العهد الجديد"ماسادا لن تسقط ثانية" وقلعة مسعدة أو "ماسادا" كما يسميها اليهود بناها هيرودس سقطت بعد حصار على يد القائد الروماني فليبوس سيلفا عام 73 ميلادي، وتقول الأسطورة اليهودية وما أكثر أساطير اليهود أن 960 يهودياً تحصنوا فيها ورفضوا الاستسلام، ولما غلبوا على أمرهم انتحروا حسب تخطيط بدأ بأن يقتل الرجل زوجه وأولاده ثم يتوالى القتل بترتيب إلى أن ينتحر الأخير.. حتى لا يقعوا في أسر الرومان.

هذا الانتحار الجماعي ، إن صحت الأسطورة، هو الأنموذج الذي يرفعه اليهود ويرفعه بوش أنموذجاً للبطولة بالانتحار التي بدأها شمشون اليهودي، وأسطورة يُراد لها أن تنعش ذاكرة يهودية تغص بالجبن التليد وأن تحوله إلى بطولات منقذة. وإذا أراد الرئيس الأميركي بمثاله هذا أن يرسل رسالة تقول: " إسرائيل" لن تسقط ثانية، أو لن تنتحر ثانية، أو سوف يحميها الأميركيون من السقوط والانتحار .. فإن الدلالة واحدة والمقصد واحد: تطمين "إسرائيل" إلى مستقبلها بحماية الولايات المتحدة الأميركية لها، وإنعاش الروح المعنوية شبه المنهارة داخل أوساط يهودية وصهيونية معينة خوت روحياً وأفلست أخلاقياً وأغرقت رؤاها بدم الفلسطينيين الأبرياء الذين تغتالهم بدم بارد، وأُثقلت بالجرائم فأصبحت بحاجة لمن يدفعها في طريق الأمل ويفرش لها الوعود لتستأنف القتل والجريمة والإرهاب ستين سنة أخرى.. تزدهر بعدها، ومن ثم يأتي وعد بوش بـ "هرمجدون" يعمل لها وينتظرها باسم " الرب" تقضي على العرب والمسلمين.

بوش بائس ومتعفن من الداخل روحياً وفكرياً وسياسياً، نماذجه دينية متخلفة وعتيقة، وأفكاره صليبية متجددة، ورؤاه محكومة بالأكاذيب التي يتمناها حقائق.. مثل أكاذيبه حول العراق.

وماسادا التي يعلن صمودها سوف تسقط إذا استمرت المقاومة العربية بوعي وإصرار وحنكة وحكمة، وإذا هزمنا العملاء والمتواطئين والخائبين القابعين بين جلدنا وعظمنا، ورتبنا أمورنا بصورة مغايرة للسائد ابتداء من ترتيب أنفسنا من الداخل.. وسوف يكون سقوط "ماسادا.. أي إسرائيل" قلعة المجرمين والإرهابيين والعنصريين والقتلة وقطاع الطرق التي تحتفل بمرور ستين سنة من تاريخ الجريمة وانتصارها على العدل والبراءة والحق والحرية.. "إسرائيل" سوف تسقط سواء بانتحار " سِكاريّ" يهودي جماعي قادم على طريقة " سكاريي الماسادا" الأسطورية، أو بضغط القفص على الفئران التي ستهرب في كل اتجاه بعزم المقاومة والمؤمنين بحقهم وعدالة قضيتهم.. ماسادا سوف تسقط ثانية بيد أهلها الذين بنوها، وسوف يهرب المجرمون الذين احتلوها في كل الاتجاهات.

الشعب الفلسطيني لن يتخلى عن المقاومة ولا عن حق العودة ولا عن القدس ولا عن فلسطين ولا عن تاريخه ودماء شهدائه، والشعب العربي لن يخذله.. وبعد ستين سنة أو ست مئة سنة أو أكثر من ذلك أو أقل سوف نحرر فلسطين وندخل  القدس كما دخلها صلاح الدين وحررها من صليبية عتيقة صورتها اليوم وطليعتها في فلسطين يهودية، ويهودية مسيحية، وصليبية ذات نزوع دموي وهوس ديني يمثلها الرئيس جورج بوش الابن، الشخص الذي تشكل أفكاره وممارساته وسياساته نكبة لشعبه ولشعوب أخرى، وخدمة للإرهاب والتطرف والجريمة والإبادة المنظمة.. بوش الذي دمر العراق، ويلاحق المقاومة، ويستقبله عرب من العرب بترحاب متناسين أنهم يستقبلون مجرماً لا يرحب الشعب العربي كله باستقباله، ويتحمل جزءاً من المسؤولية عن نكبة الشعب الفلسطيني المستمرة.

 دمشق في 16/5/2008

علي عقلة عرسان

 

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |