| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

رؤى

إخال أحياناً أننا نعمل في الفضاء الذي يغلف أجسادنا، ونبني بيوتاً من خيوط العنكبوت في ذلك الفضاء، نغرّد على الورق وتسيل عليه دماؤنا ودموعنا، ونصول ونجول في خضمّات الحبر نخوض فيها المعارك شعراً ونثراً، نحرق "الشمس" ونترك العنصرية تحرقنا، ونفلح النجوم ونزرعها كمثرى ونترك أرضنا الخصبة بوراً يزحف عليها التصحّر والأعداء معاً، فتضيق بنا وتضيق علينا على الرغم من رحابتها.

أعداؤنا يعملون في أرض الواقع التي تسعى عليها أقدامنا وترتادها أحلامنا وتتطلع إليها رؤانا، ونحن هيولى المواقف.. ولولا رسوخ في قدم التاريخ وجذوة الحق وجذور التراث وأقدام الأجساد وأثقالها في الأرض التي ورثناها، لما رأيت منا إلا نتف الريش تصّاعد في دوامات الهواء وأعاصير الحوادث.

أمَّةٌ أمةٌ، أصبحت أو تكاد، بين الأمم، ينتاشها الوحش والطير الكاسر ويحط على جسدها الذبان؛ تاريخ الحضارة يعود في أرجاء أرضها وعطاء أهلها إلى عشرة آلاف سنة ونيّف قبل ميلاد عيسى المسيح، فيها نمت سلالات الموحدين الأوائل منذ إبراهيم الخليل، وشرفتها السماء وأهلَها بالرسالات التي نزلت فيها ونمت ومنها انتشرت؛ تُوِّجت لغتها بشرف حمل القرآن للناس كافة، وبأنها لغة أهل الجنة، وهي أكثر اللغات تواصل قديم بجديد وقدرة على التجديد واستيعاب الجديد؛ بين ظهرانيها كتبت اللغة المقطعية،المسمارية، ولدت أول أبجدية في التاريخ- أبجدية أوغاريت- وفي ذروة القداسة من أرضها مكة المكرمة والقدس والمدينة المنورة، فيها أقدم المدن العامرة منذ القدم، وأعرق الحضارات وأعظمها تأثيراً في الحضارات، ومع ذلك تراها تسأل نفسها أحياناً ببلادة وخبل: أتراها تصلح لأن تكون أُمَّة، وأن تكون حية، وأن تكون في العصر؟!

أبناؤها يربون على الثلاثمئة وأربعين مليوناً عدداً، يرتادون في مجالات العلم والتقانة المتقدمة خارج بلدانهم؛ ويُوظَّف بعض جهدهم ضد أمتهم وقضاياها ومصالحها وضد عقيدتها أحياناً؛ وثروات تلك الأرض الطبيعية تشكل الرصيد الأعظم للعالم، لاسيما من النفط، وفيها من المواقع الخصبة ما لو استثمر بعلم ودربة وعناية لكفى أهلها وفاض عن حاجتهم بكثير؛ ورصيدها المالي يغذي اقتصاد العالم وينقذه من تضخم وعجز، ومع ذلك يجوع من أبنائها من يجوع "ويشبع" جوعاً حتى الموت كثيرون منهم، ويفتقر منهم من يفتقر ويغرق في الفقر حتى الذل من يغرق، على الرغم من حقيقة أن الإسلام قدم العلم على العمل والعمل على العبادة، وأعلى شأن التكافل الاجتماعي وحض عليه: "ما مات مسلم من نام شبعان وجاره جائع وهو يعلم"، وعلى الرغم من أن الزكاة أحد أركان الإسلام الخمسة، حارب من أجل تحصيلها الخليفة الراشد أبو بكر "رضي الله عنه" لتسد حاجة المحتاج وتقيم أود الفقير؟!

إنها أمتي.. أمة العروبة والإسلام التي تملك رصيداً ينزف - سواء أكان روحياً أو مالياً أو بشرياً ـ ويستَنزف باستمرار في هذا العصر، وتسيل إرادتها عجزاً في ساحات كثيرة، وتآكلاً في مواقف كثيرة وتواكلاً في مواقع أكثر.

ترى ما الذي يجعل من هذه الأمة أحجية سلبية بهذا الحجم في هذا الوقت، وقد كانت قبل أربعة عشرة قرناً من الزمن أحجية إيجابية في التاريخ، يوم غلبت على أمر أعظم إمبراطوريتين في زمانهما: الفرس والروم، ونشرت دين الله في أرجاء الأرض، معتمدة على:

- إيمان يلقي شِق التمرة من فم المؤمن المجاهد لأنه يحول بينه وبين الجنة لثوان فيها جهاد في سبيل الله.

- ومؤمنين منذورين للحق، شُراة، يرفعون كلمة الله ورسوله فوق كل كلام، ويتسامون فوق الضغينة والمصلحة والأنانية المتورمة؛ ويذهبون في أرض الله مشكلين سرايا الحق- الفتح، والفتح الحق، في سبيل الله وحده ولكي يعبد وحده؛ لا عزة لهم إلا فيما أعزهم به الله سبحانه: القرآن والإسلام.

ألجأتني إلى هذا القول رؤية نشرتني على شوك الزمن أمشاجاً، رؤية العدو وحلفائه والطامعين بأمتنا المسيطرين على قرارها، يؤثلون لباطلهم، ويخصصون مئات ملايين الدولارات لفيالق مكلفة بالاختراق الثقافي، وبتدمير الذاكرة والوجدان والقيم، في البنية الثقافية والروحية والاجتماعية لأبناء أمتنا ليحِّل محلها ما يسمونه "ثقافة السلام، أي الاستسلام" في عقولهم وينمو في كل نفس وشِعب نبات يستهدف أرض الأمة ومقدساتها وتاريخها وثرواتها وأسواقها الاستهلاكية والبنى الحاملة لعقيدتها ووجدانها القومي وتاريخها وقيمها.

وتلك السياسة الاستعمارية ـ الصهيونية التدميرية تعرف ما تريد، وتدرك قيمة النجاح فيما ترمي إلى النجاح فيه من برامج؛ فإذا ما نجحت في إزالة كل ما يتصل بالصراع العربي- الصهيوني من وقائع وحقائق ومعطيات وأهداف، وشوهت الذاكرة والوجدان العربيين من خلال التربية والثقافة والإعلام ومراكز الأبحاث ودور النشر والثقافة الصهيونية- الغربية الغازية، فإنها تصل إلى تثبيت الغرس الاستعماري، وتزوير التاريخ، واجتثاث الهوية وروح المقاومة، ومن ثمة تبدأ النخر والتخريب في البنى القيمية والعقائدية الأعمق التي هي في نهاية المطاف: مكارم الأخلاق، والسلوك الذي يجسد تلك المكارم في تعامل بين الناس على أرضية من الإيمان والتمايز البشري على أسس ومعطيات حضارية - إنسانية .

إن الأعداء يعملون، ويوظفون بعض خلايا جسدنا القومي لإحداث الورم السرطاني فيه، ونحن نسكت على الداء والأعداء معاً، ونخوض معاركنا في فضاء يحيط بالأجساد وغالباً ما نخوضها في أحشاء الأجساد!!، أفلا ننظر من حولنا بتبصر وبعد نظر لنرى عودة بُنى الماسونية ـ الصهيونية وانتشارها، وازدياد الأداء الاستعماري ـ الصهيوني في الاقتصاد والثقافة والسياسة بأشكال مختلفة، ونرى تجمعات وجمعيات ومراكز أبحاث ومرافق إعلام وخلايا في الجامعات ومراكز العمل الاجتماعي والتربوي تعمل على إفساد كل بُنى الوعي السليم والمقاومة المنقذة في كياننا الذي يزداد تهافتاً على الرغم مما في ظاهره من بريق البراقع وبرق الشعارات؟!

إنها رؤية مجرَّحة للواقع على ضوء سراج الإسراء والمعراج، ولكن تصميمنا على استنقاذ ذلك الواقع يزداد مفعِّلاً كل ما نملك من أمل وقدرة على العمل والرؤية، تلك التي تتلامع في مداها أشعة الضوء من نهاية النفق؛ كل ما يؤلم أن ولادة الاستنهاض ستكون أعسر وربما أطول، ولكنها قادمة لا محالة بعون الله.

هل التفكير القومي يضع صاحبه خارج المقبول والمعقول في هذا العصر، بنظر سياسات وتيارات فكرية واجتماعية، أم أن تلك فسحة من التسامح مازالت مفتوحة أمام الراغبين فيها والمقبلين عليها والمستفيدين منها ؟ سؤال تفرض طرحه علينا معطيات الساحة العربية، والمناخ السياسي العربي، والحصار المفروض على العرب بأشكال مختلفة.

ولأن العمل العربي المشترك، أي عمل عربي مشترك، دخل أو أدخل في دائرة المحظورات أو دائرة الأعمال التي تثير شكوك الغرب والعدو الصهيوني معا فينبريان لقمعها ومنعها، فإن معظم الساسة العرب لا يقدمون عليه، ولا يرحبون به، ويتغاضون عن الدعوة إليه، لأنهم لا يحبون النوم بين القبور ولا رؤية المنامات الموحشة، ولذلك يفضلون الابتعاد عما يرغب «أصدقاؤهم» في أن يبتعدوا عنه، مخالفين مصالح وطنهم وأمتهم، وتمنيات بعض أهلهم عليهم .

وعلى هذا وسواه، بنى بعض أهل الثقافة أسس ابتعادهم عن كل ما قد يزعج الساسة، ويثير حفيظتهم وحفيظة أوليائهم أو أوصيائهم، فأخذوا ينأون  بطريقتهم الخاصة ـ التي تحفظ هامشا للمناورة، وللخروج، عند الحاجة،  من صورة القناع إلى صورة أخرى قد تكون الوجه أو قناعا آخر ـ عن كل ما يعكر المزاج، أو يهدد الزجاج الذي تتكون منه «أبراجهم»، وراق لفريق من أولئك، كما راق لسواهم، أن ينعتوا التفكير القومي، وما يتصل به أو ينبثق عنه من أحلام أو مواقف، بالوهم، أو بالابتعاد كليا عن روح العصر والواقعية، والمنطق المقبول، ويحكموا عليه بالموت أو بما يشبهه، ويبقى عندهم في دائرة ما ينبغي الخروج من شرنقته . 

وبسبب من السياسة والمهيمنين على مناخها الدولي، ومن ثقافة وضعت نفسها في خدمة تلك السياسة وسدنتها والموجهين لسدنتها، نشأ مناخ عام في الوطن العربي، ليس في صالح الفكر القومي وما يرتبط به أو ينشأ عنه من أحلام و مواقف، وما يستدعيه من عمل وصلات وعلاقات عربية ـ عربية، ولا في صالح السلامة الفردية والجماعية اللتين تحفظهما الثقافة للوطن والمواطن، وإنما هو عبء على ذلك  الفكر، معوق لنموه، معترض على وجوده، مشكك في جدوى ذلك الوجود وفي إمكانية إعادته إلى الحياة وقبول الناس له، وإقبالهم عليه .

وفي ظل هذا الوقع، السياسي والثقافي، بدأنا نستسيغ ما يقال لنا عن «موت القومية العربية» ونركن إلى القول بانتماء ما يتصل بها إلى ما قبل انتهاء الحرب الباردة، ساحبين قول من قال بأن كل ما كان في ظل الحرب الباردة لابد أن يعاد النظر به لأنه زال بزوال من كان يتبناه أو هكذا ينبغي أن يكون وكأن أهل الحرب الباردة كانوا، في يوم من الأيام، يتبنون فكرنا القومي وأهدافه وبرامجه  المشروعة، ويتعاطفون مع القومية العربية وأحلام الجماهير العربية وتطلعاتها النهضوية و الوحدوية ؟؟ ومع تلك المشاريع التي طالما صفقت لها وقدمت من أجلها الدماء، والتي طالما قاومها الاستعمار وأعداء التوجه القومي ودفنوها مع أهلها وأحلامهم وتطلعاتهم وتضحياتهم تلك، في الرمال ومتاهات السراب.

ولأننا استسغنا ذلك وسوّغناه، واعتبرناه  قدرا أو شيئا في حكم القدر، سكتنا على ما يجري في أجزاء كثيرة من الوطن العربي ورأينا أنه لا يخصنا؛ فهذا ما يريده الحاكم، وهكذا يريدنا الغرب والصهاينة أن ننظر إلى الأمور. وان نسيت الكثير فلن أنسى أياما في الستينات من هذا القرن العشرين كان فيها عرس الأمة واحداً، لأن الأمة تكبر بأبنائها وبهم وتزدهر وتنتصر، وكل واحد منهم جزء من تكوينها ومستقبلها وقوتها. يومها كان الناس من طينة أخرى فيما يبدو، أو كان التفكير والوجدان من نسيج مختلف عما يسود هذه الأيام من نظر إلى استباحة القدس من دون تحرك يذكر من أحد.. أليست تلك أعاجيب تزري بكل الأعاجيب ؟؟ أليست من جهة أخرى دلائل على مدى الخسارة التي لحقت بأمتنا جراء ضمور الحس القومي والشعور القومي ؟؟

وأينما سرحت النظر في أرض العرب اليوم تجد جريحا مثقلا بجراحه، وعينا ترقب الآخر الشقيق لتشمت به حين يجيء دوره في نزف الجراح والمعاناة وتحيط به الذئاب، فهل يكون هذا الواقع معينا لنا، أم معينا علينا يا ترى، ونحن أمة مستهدفة بكل وضوح؟؟ وهل يسمح لنا ذلك بالتفكير، مجرد التفكير، في ضرورة أن نستعيد ذاكرتنا المشتركة، وشعورنا المشترك، وتضامننا المشترك، وكل ما يجدد فكرنا القومي ووحدة آمالنا وآلامنا، على أرضية الحقيقة الناصعة الصارخة، حقيقة انتمائنا إلى أمة واحدة، وعقيدة واحدة، وثقافة واحدة ؟؟ أم أن الممنوعات والمحرمات التي يحددها لنا أعداؤنا هي التي تلقى منا الاحترام والرعاية والطاعة أكثر من أي شيء آخر ؟؟ إنه السؤال المر الذي تغص به حلوقنا يوميا، ومع ذلك لا نتلمس الإجابات الملائمة والضرورية عليه، فهل نفعل ذلك لتكون لنا أيام كأيام الناس؟؟ إن الوقت الراهن هو الوقت الأهم الذي يحتاج فيه العرب إلى بعضهم بعضا والى أن يفكروا تفكيرا مشتركا منقذا، فحتام نرجئ كل بادرة للاتفاق، وكل خطوة تضعنا على طريقه أو تقربنا منه خطوة ؟

إن الحلم أحد المداخل المشروعة لتغيير الواقع، والفكر القومي ـ الإسلامي المتكامل بساط ذلك المدخل ومناخه ودافعه، بعيدا عن أية صيغة من صيغ التعصب، وبعيدا عن كل الأمراض والعقد والمماحكات الكلامية، وعلى أرضية أصالة العروبة وتسامح الإسلام الذي يشكل لهذه الأمة روحها وحيوية وجودها، ومكنها من التمايز بصفته حياة الجسد الذي يملك مقومات تمايزه عن الآخرين، ومقومات إبداعه مع الآخرين، فهلا ولجنا باب الأمل الكبير، ودخلنا دارة تفاعل فكر منقذ خلاق، ينقلنا مما نتردى فيه إلى ما يمكن أن ننعم به!؟ إن ذلك من أهم ما ينبغي أن نقوم به ونقبل عليه، حيث نشكيل جبهة ثقافية عربية نتحصن بقوتها، ونعمل من خلالها لمواجهة أشكال الانهيار والتطبيع والاستسلام لأطماع العدو الصهيوني وحلفائه وأعوانه وعملائه. 

 دمشق في 30/10/2009

علي عقلة عرسان

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |