| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

المسؤولية الاجتماعية

في المؤتمر الثامن لمؤسسة الفكر العربي الذي عقد في الكويت يومي 9 و10/ديسمبر 2009 ناقش الباحثون والمشاركون والحضور قضايا اقتصادية هي محاور للعنوان العام الرئيس " التكامل الاقتصادي العربي، شركاء من أجل الرفاه"، ومن بين المحاور الرئيسة كان محور يدور حول موضوع المسؤولية الاجتماعية للشركات الربحية التي تعمل في مجالات اقتصادية وخدمية مختلفة.. وقد لخص أحد الباحثين المشاركين تلك المسؤولية بتقديم عمل خيري أو زكاة، من خلال مساعدات وخدمات في التعليم والصحة والبيئة والإغاثة..إلخ، وحاول البعض أن يفند هذا المذهب من مذاهب الرأي ويدحضه بالقول: إن الزكاة فرض، والعمل الخيري اندفاع طيب كشجرة طيبة، ولكن هذا يبقى طوعياً فما هو الملزم قانونياً في مجال المسؤولية الاجتماعية.. التي لم تحدد بشكل واضح وكاف ودقيق.

إن المستثمر يصرح بملء الصوت إنه يهدف إلى الربح، ومن حقه أن يتجنب المغامرة والمقامرة وصرف أرباحه في أعمال اجتماعية وتعليمية وخدمية.. إلخ مما يقع في حقل مسؤوليات الدول الحكومات وواجباتها. وهذا منطق واقعي بصرف النظر عن الحكم الأخلاقي عليه.. ولكن هناك منطق واقعي أيضاً يقول: إن من يحلب البقرة عليه أن يطعمها، وعليه ألا يتملص من نتائج اقتنائها واستثمارها التي قد تعود ببعض الضرر على آخرين، إذا لم يقم المستثمر بدرء تلك الأخطار عن غيره من أبناء المجتمع الذين قد يلحق بهم ضرر من جراء سوء استثماره، أو عدم مقاربة الجوانب السلبية التي تنتج عن ذلك الاستثمار. وفي هذا الإطار يمكن أن يدخل في باب المسؤولية الاجتماعية للشركات الربحية والمستثمرين أمر معالجة الأضرار الاجتماعية التي قد يلحقها استثمارهم في حقل ما بالبيئة والناس، لأن الإثراء على حساب راحة الناس أو صحتهم من دون تحمل مسؤولية أمر لا يقبله الشرع ولا يقره القانون.  ومن هنا يطرح السؤال البسيط الآتي على الشركات الربحية وأصحابها: أليس من المسؤولية الاجتماعية التي تترتب عليها/ وعليهم، أن يرفع الضرر الذي يلحق بالبيئة والناس، كشرط قانوني توجبه المسؤولية الاجتماعية على المستثمر حيال المجتمع؟ وفي هذه الحالة نجد أن قيام كل شركة استثمارية ومسؤول في حقل الاستثمار بتحمل أعباء وتكاليف رفع الضرر الناتج بسبب استثماره مسؤولية اجتماعية وقانونية يجب أن تضمنها لتشريعات فضلاً عن كونها مسؤولية أخلاقية. ولا يكفي أن يقول المستثمرون وأصحاب الشركات الاستثمارية مهما كانت ربحيتها "نحن ندفع ضرائب بنسبة 1% أو نقوم بأعمال خيرية، أو نساهم في كذا وكذا من الأعمال طوعياً.. فضريبة الدخل يدفعها كل مواطن وفق القانون وحسب نسبة دخله، وهي تذهب للحكومة في كل بلد التي تقدم خدمات في مجالات كثيرة.. وفي الوقت الذي يتوجب فيه توجيه لشكر للمستثمر الذي يقدم تبرعات ويقوم بأعمال خيرية في مجالات متنوعة، لا بد من وقفة "اجتماعية ـ  قانونية ـ أخلاقية" عند المسؤولية الاجتماعية لتلك الشركات وضبطها بقوانين والنظر إليها على أنها واجبات وليس حسنات.. فالضرر الناشئ عن مثل هذه الأعمال أسبابه محصورة ونتائجه تعم، ولا بد من رفعه وتحديد المسؤولية في ذلك.     

لقد رأينا في اتفاق كويتو الذي قاربت مدته على الانتهاء أن أكثر من يلحق الضرر بالبيئة والإنسان من جراء الاستثمار غير المسؤول هو الشركات الأميركية بأنواعها وأن الولايات المتحدة رفضت التوقيع على ذلك الاتفاق بعنجهية مرفوضة وبتنصل منم لمسؤولية التي رتبت من ضمن ما رتبته الانحباس الحراري ونتائجه التي ستنعكس على شعوب ودول.. فهل هذا من المنطق أو من الخلق والمسؤولية الاجتماعية في شيء؟

  في وضعنا العربي هناك حقائق على الأرض لا بد من مراعاتها والوقوف بجدية وصرامة عندها، لا سيما مع وجود تقصير حكومي، وخلل في القوانين وتجاوزات عليها، وتنصل من مسؤوليات بأشكال مختلفة، وفساد ينخر الأطر الرسمية وينعكس على الحياة والناس والعلم والمعرفة والصحة والنهضة والتقدم وراحة الناس ولا تكلم عن سعادتهم.  

أن أعظم ثروة وطنية وقومية في كل أمة من الأمم، ليست مالاً  يستثمر، ولا تراباً يفدّى بالدم ويصان بالسلاح، ولا تراثاً حضارياً وقيماً وتاريخاً فحسب، أنها قبل ذلك كله وبالإضافة إلى ذلك كله، الإنسان المعافى روحيا وعقلياً وجسدياً، المنتمي لأمته لأمته وواقعه وعصره بوعي ومسؤولية، الذي يؤمن جانبه بتربية وقيم ومعايير اجتماعية وخلقية وضوابط قانونية، ولا يخشى انفلاته الآخرون، وهو في هذه الحالة قادر على المشاركة في التنمية والبناء والدفاع الحرية بمسؤولية وإدراك وإبداع، وهو الحريص على أن يحفظ للآخرين حقوقهم ومنها التحصيل المعرفي والعيش الكريم وممارسة الحرية والتعبير عن الرأي، وعليه أن يقوم بذلك لو دفع في سبيله أمنه وحياته، فأمنه من أمن الوطن والمواطن وحياته هي نوع العيش والمناخ والمحيط والمجتمع الذي يعيش فيه.. لأن مجتمع الأحرار يبدع الحياة الحرة الكريمة التي يدافع عنها الإنسان بشرف ويتمسك بها بكل إصرار، ويلتزم فيها بالتكليف الذي أمره به الخالق سبحانه وتعالى وسخره له.

والدول التي تجبي ضرائب، وتضع خططاً واسعة للتنمية البشرية والثقافية وتعنى بثقافة التنمية وفق مفاهيمها الدقيقة، عليها أن تضع في مقدمة ما يجب أن يعتبر رأس المال الأساس وعامل التنمية الأول الدائم، والقوة المتجددة، وجوهر الوجود:

ـ ثقافة الإنسان وتعليمه وإبداع وقيمه وسلوكه في أي موقع ومجال كان، أي تكوين العناصر البشرية الواعية التي تملك المعرفة، والمقدرة على فهم أبعاد الخطط، وإدراك دور الإنسان في تنفيذها على أكمل وجه.

ـ وتكوين الكفاءات الفكرية والعلمية والمهنية والتقنية اللازمة للتدبير والتنفيذ، تلك التي تعي قبل كل شيء ما تفعله، وتدرك لماذا تقوم بما قوم به من أعمال. إذ لا يستطيع أن يكون أداة نهضة وبناء وتطوير، وصانع تقدم علمي وتقني ومعرفي وحضاري، إلا من يعرف من هو، وماذا ينقصه، وماذا يريد، وكيف يصل إلى ما يريد، وبأية وسائل يصل، وأن يكون ملتزماً بخلق ومعايير ترفض المبادئ الهدامة ومنها " الغاية تبرر الوسيلة"، لكي ترتفع بمستوى الحياة وبمستوى الإنسان فكراً وقيمة وممارسة، وليكون فعلاً هدف التنمية وأداتها. ومن يعرف ما يريد وكيف يحافظ، في مرحلة البناء والثورة والتطوير والتنمية، على ما سبق أن بناه غيرُه ونمَّاه، وساهم هو في تطويره ـ جامعة كان أم مؤسسة أم مركز بحث، أم مصنعا أم قانوناً أم مزرعة أم قيمة ثقافية وخلقية وفنية تتجلى في السلوك اليومي لأفراد الجماعة ـ يدرك معاني المواطنة والشراكة الإنسانية والمسؤولية الخلقية في الحياة ومع الناس، ومعاني الاستثمار الأمثل ومسؤوليات المستثمر الاجتماعية والخلقية.

وإلى جانب مشاريع المصانع والسدود والمواصلات والاتصالات والمعلوماتية والتقنيات العالية، وغير ذلك مما تشمله خطط التنمية والطموحات البشرية.. وإلى جانب الأرقام المالية الخيالية التي تحدد المبالغ اللازمة لتنفيذ هذه الخطط ومصادر تمويلها، يجب أن تقف بشموخ المسؤولية الاجتماعية والمجتمعية، ومشاريع وميزانيات مالية وبرامج للارتفاع بمستوى وعي الإنسان ومعارفه ومهاراته من جهة والتزامه الأخلاقي والوطني والقومي والإنساني من جهة أخرى.. لكي يواكب التقدم في المشاريع والطموحات، تثقيفُ الإنسان وتربيته وتكوينه وتهيئته ليكون الإطار البشري القادر على حسن التنفيذ، وسلامة توظيف المنجز البشري لمصلحة الإنسان وخدمة الحياة والمحافظة عليه، وسلامة البيئة، والشعور بالمسؤولية حيال الآخر الشريك في الشرط الإنساني والمصير الإنساني. وترجمة الكلام والأرقام والتخطيط والطموح إلى واقع حي ذي مردود ملموس يعود بالفائدة والمنعة على الوطن والأمة، وبالخير والاستقرار والمتعة على الفرد والمجتمع، ويجلب الربح والراحة والرفاه لمن يسعى إليها، بزيادة الإنتاج ورفع فضل القيمة الناتج عن المعرفة مضافة إلى المادة والعمل، وتحقيق الإنجاز على أرضية المسؤولية الأخلاقية.

والمبالغ التي ترصد في إطار خطط التنمية، لانتشال الشعب من الجهل وتثقيفه وتهيئته لمواكبة مسيرة العصر والتعامل مع التحديات المطروحة عليه، ومع متطلبات المشاريع الجديدة التي تقام لسد الحاجة وتلبية متطلبات الأجيال القادمة والنمو الاجتماعي، مبالغ مضمونة الربح مضمونة المردود وتشكل بحد ذاتها ضمانة لكل ما يصرف في مشاريع خطط التنمية الأخرى.

وحينما ننظر، على ضوء خطط التنمية العربية، إلى وضعنا الثقافي والمعرفي والسلوكي المهني والاجتماعي، وندقق فيما رُصد من أجل تكوين الإنسان الذي سينفذ خطط التنمية، ويتابع التخطيط لمستقبل جديد في القرن الحادي والعشرين، ويحافظ على الإنجاز، يبدع في الأداء، ويربط الحاضر بالماضي ويستشرف في ضوء ذلك المستقبل، ويشق طريقا فكرياً ونضالياً قومياً أصيلاً نحو النهضة الشاملة والتحرر الكامل، والاكتفاء الذاتي، والدفاع عن المصالح والحقوق والهوية ومقومات لتمايز الثقافي والاجتماعي.. نجد أن الهوة سحيقة بين الموجود والمطلوب. ويزداد شعورنا بما يشبه الإحباط، عندما ننظر إلى سلوك وثقافة من يناط بهم مهام الإشراف على التثقيف والتدريب وتقديم الأنموذج والقدوة في السلوك ونظافة اليد وحيوية الضمير والقدرة على العمل.. عندها تكتسي شمسنا الحزينة رداء الخنساء بعد مقتل صخر، ونردد في أفقنا الكئيب، قول شاعرنا العربي، مع نغمة أسى:

كانت محاسننا شتى وأعظمها

 

 

أنا نخاف عليها من مساوينا

دمشق في 11/12/2009

علي عقلة عرسان

 

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |