| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

أفكار وتجارب وذكريات

قبل خمسين عاماً كان بدأ حدث ثقافي ترك تأثيره وبصماته على الحركة الثقافية في كثير من بلدان القارتين العظيمتين آسيا وإفريقية.. إنه تأسيس اتحاد كتاب وأدباء القارتين، وما زال هناك من يحن لذلك الإطار الثقافي الذي كوَّنه اتحاد كتاب آسيا وإفريقية.. ولكن وفق رؤى وتوجهات مختلفة عن زمن ضغط الأيديولوجيا والحرب الباردة وخنادقهما.. ونجدنا اليوم في العالم الإسلامي أمام ضرورة أو أهمية تكوين اتحاد كتاب وأدباء بلدان هذا العالم الذي تواجه شعوبه وثقافاته تهديداً وتحديات واختراقات كثيرة وكبيرة. وإذ أعود اليوم بالذاكرة إلى اتحاد كتاب آسيا وإفريقية فلكي أسجل وقائع وأسترعي الاهتمام إلى إحياء تلك التجربة على أسس مغايرة لما كان عليه الأمر في خمسينات القرن العشرين، أو إلى التأسيس لتجربة مشابهة في إطار عالمنا الإسلامي.  

إن الحديث عن العولمة وسيطرة قطب وحيد الطرف على الاقتصاد والسياسة والقرار الدولي، وعن التدخل المباشر في شؤون الآخرين ومحاولات التأثير السلبي في الهوية والثقافة لشعوب كثيرة، وفرض الأمركة بأساليب مختلفة، يستدعي التفكير في حماية الهوية والثقافة والحضارة الإنسانية التي تغتني بالتنوع، كما يستدعي المحافظة على حيوية التواصل الثقافي وجدواه، وعلى دور الإبداع في ترسيخ خصوصية قومية ذات أفق إنساني. وهذا يجعلنا نحن شعوب القارات التي تستهدف العولمةُ، أو قل الأمركة، استقلالَها وثرواتها وخصوصياتها وهويتها وثقافتها، نعمل على حماية ثقافتنا وندافع عن هويتنا وقيمنا وإبداعنا المتنوع في وجه من يشوه الثقافة ويحيلها إلى سلعة وأداة دعاية، ويضعها في خدمة سياسة استعمارية ذات ألوان عنصرية ومعايير مشوهة وممارسات بغيضة.

وحين نفكر بعلاقات ثقافية متطورة وبمواقف للثقافة في وجه من يريدون سحق الخصوصيات الثقافية، وحين ننظر في العلاقات الثقافية بين الشعوب بقصد تعميق الصلات وتطوريها، لنكون إلى جانب الإبداع والحرية والهوية والاستقلال وانتماء الأدب للشعوب وقضاياها، بعيداً عن أسواق الكلام التي أفسدت ضمائر وإبداعاً، وأضنت شعوباً، وشوهت معتقدات، وتطاولت حتى على مقدسات مليارات من البشر، نجد أننا بحاجة إلى تعميق العلاقات واستعادة مؤسسات فاعلة في هذا المجال بعد مراجعة شجاعة لهيكلياتها وأساليب أدائها، ليقف الإبداع بفعاليته العظيمة ضد العنصرية والصهيونية والإمبريالية والاستعمار الجديد، وضد أشكال الهيمنة وتهديد أسلحة الدمار الشامل الموجودة بين أيدي بعض من يملكون أفكاراً عنصرية ذات قوة تدميرية شريرة أشد فتكاً من السلاح الذي تحركه وتوجهه تلك الأفكار، وهم يهددون البيئة وأمن العالم واستقراره في كل وقت.. ليقف الإبداع ضد الاحتلال الهمجي الذي نرى أنموذجه المفجع والكارثي في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها من البلدان.. حين نفعل ذلك نستعيد ما لنا من تجارب بهدف الاستفادة منها وإعادة قراءتها قراءة عصرية واعية، بعيداً عن العلل والأمراض والتطرف والتوظيف الذي لم يكن موفقاً في حالات كثيرة.

وفي هذا المجال لا يمكن القفز فوق عقود من الزمن كان فيها الشعب الروسي ومثقفوه يقودون شعوب الاتحاد السوفييتي السابق ويشكلون العمود الفقري في علاقاته مع المثقفين والكتاب والمبدعين في العالم، ومنهم مثقفون وكتاب ومبدعون من البلدان العربية، بصرف النظر عما في تلك الحقبة من أخطاء وممارسات وما عليها من مآخذ كثيرة لا سيما، في أثناء الحرب الباردة الثقافية بين المعسكرين التي دخلت فيها بلدان أو فئات مجرد بيادق.

وكان أوسع إطار لتلك العلاقات وأغناه اتحاد كتاب آسيا وأفريقية الذي أسس عام 1956 " الفكرة، المبادرة"، وفي عام 1958 كان التأسيس الرسمي والإعلان. وكان من المشاركين في تأسيسه الكتاب العرب الذين أسسوا اتحادهم العام سنة 1954 حيث كانت " الفكرة، المبادرة"ـ وسنة 1956 كان التأسيس الرسمي والإعلان. وإلى جانب هذا الإطار وبحوافز منه كانت تقوم علاقات ثنائية بين اتحاد الكتاب السوفييت الذي كان يقوده عملياً الكتاب الروس واتحادات الكتاب في البلدان العربية، وكانت هناك علاقات بين كتَّاب في إطار تنظيمي معين والكتاب السوفييت ومن ثم الروس بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، منهم من أقام زمناً في روسيا واستقر هناك وما زال، ومنهم من بقيت له علاقاته الوطيدة بعد أن عاد إلى الوطن العربي إثر إقامة واستقرار ودراسة هناك، ومنهم من كانت علاقاته في إطار تنظيم أو صداقة أو روابط ثقافية.

بدأت فكرة تأسيس اتحاد لكتاب القارتين العظيمتين آسيا وأفريقية عام 1956 في الهند، على هامش ندوة ثقافية أقيمت هناك لكتاب آسيا حضرها ممثلون من سبعة عشر بلداً آسيوياً، وكان رئيس الوفد السوفييتي في ذلك اللقاء نيقولاي تيخينوف، وقد التقى وفد من الكتاب المشاركين جواهر لال نهرو. وكان عام 1956 عام أحداث مؤثرة كما نعرف، منها العدوان الثلاثي على مصر التي شارك رئيسها الراحل جمال عبد الناصر في مؤتمر باندونغ وفي اجتماع جزيرة بريوني، الأمر الذي كان له تأثير في ولادة حركة عدم الانحياز، وتعزز فيه التضامن الآسيوي الأفريقي، ومن الأعوام النشطة في الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي والرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.

وكان من المشاركين في لقاء الهند: أناتولي سوفرونوف من روسيا وميرزا إبراهيموف من أذربيجان والشاعرة الأوزبيكية زولفيا التي قدمت باسم الوفد السوفييتي اقتراحاً باستضافة مؤتمر تأسيسي لكتاب القارتين يعقد في طشقند عام 1958. وفي المدة من 7 إلى 13 أكتوبر من ذلك العام عقد المؤتمر العام التأسيسي الذي حضره 204 كاتباً من 37 بلداً آسيوياً وأفريقياً، إضافة إلى ضيوف من قارتي أوربا وأميركا بلغ عددهم 22 كاتبا. وألقى كلمة الافتتاح فيه الكاتب شرف رشيدوف من أوزبكستان، وتلا بيان التأسيس الشاعر الباكستاني فيض أحمد فيض المعروف بفايز أحمد فايز. وقد شاركت بلدان عربية في ذلك اللقاء منها مصر وسورية ولبنان، واتخذ المؤتمر من كولومبو، عاصمة أنغولا، مقراً له.. واستمرت أنغولا مقراً حتى عام 1964 حيث أصبحت القاهرة مقراً للاتحاد. وبعد كامب ديفيد ومقتل يوسف السباعي في نيقوسيا 18 نيسان 1978 لم تعد القاهرة مقراً للاتحاد، ولم يتخذ الاتحاد قراراً باختيار مقر آخر له، وبقيت المناقشات متصلة بين أعضاء الأمانة العامة حول العواصم المرشحة ومنها: دمشق وأديس إبابا حتى انهيار الاتحاد السوفييتي وتوقف اتحاد كتاب آسيا وإفريقية عن العمل، حيث أصبح بحكم المنتهي قبل وفاة لطفي الخولي الأمين العام الأخير له. وقد عقد الاتحاد ثمانية مؤتمرات عامة إضافة إلى ندوات متخصصة منها ندوة للكتاب الشباب في طشقند وندوة عن المسرح في آسيا وأفريقية عقدت في دمشق، وكانت تلك مناسبات كبيرة للقاء الكتاب من القارتين، وللكتاب العرب والسوفييت بصورة خاصة، لا سيما وأن ثلاثة مؤتمرات من ثمانية عقدت في الوطن العربي وثلاثة عقدت في الاتحاد السوفييتي.

وقد عقدت ندوات ولقاءات ضمن نشاط ذلك الاتحاد نذكر منها: ندوة لشعراء آسيا وإفريقية في يريفان، وفي بيروت كانون الأول ديسمبر 1974 عقد لقاء لمحرري المجلات الأدبية في آسيا وإفريقية، وفي شباط 1975 عقدت ندوة في مانيلا حول موضوع الأدب والجيل النامي، وفي تشرين الأول / أكتوبر 1976عقد لقاء في طشقند للأدباء الشباب، كما عقدت لقاءات منها:  في كلكتا " دور الكاتب من أجل النضال في سبيل السلام، وفي كافاساكي " أهمية الأدب في تكوين الوعي الاجتماعي وتطويره،  وفي دمشق حول المسرح الآسيوي الإفريقي ،  وفي فرونزه " تفاعل ثقافات القارات الثلاث: آسيا وإفريقية وأميركا اللاتينية. وفي الجزائر.  وكانت هناك نشاطات للاتحاد شارك فيها عدد كبير من الكتاب الآسيويين والأفارقة، و"..غدا الفن والأدب عنصراً من عناصر النضال في سبيل التحرر الوطني، وتكريس الأصالة القومية للشعوب المضطهدة سابقاً وفي سبيل الحل الإيجابي لمشكل التناسب بين التقاليد والتقدم في مجال العلم والتكنيك ووسائل الإعلام." وكان للاتحاد رؤية تكاد تكون صورة حية عن هذه الأيام التي تستمر فيها معاناة الفقراء وتراجع حركات التحرر في العالم، من جراء ممارسات الاستبداد والاستعمار الجديد، وتكاد صورة اليوم تنطبق على ما كان يجري في النصف الثاني من القرن العشرين حيث " اقترنت مكائد الاستعمار الجديد السياسية في بلدان العالم الثالث وعمليات نهب مواردها الاقتصادية بهجمة شرسة على القيم الثقافية لهذه البلدان استهدفت نسف الأصالة القومية لشعوبها.". وفي النتيجة شغف الكثير من الشباب بالأفكار والنظريات الرجعية التي طرحها المفكرون الغربيون، في محاولة لانتزاع الأدب من الواقع الحي ونكران دوره التربوي الإنساني، وإعفاء الكاتب تماماً من المسؤولية أمام المجتمع، ولذا ينبغي العمل بحزم على محاربة هذا النوع من الانحرافات."

وكأني بشرف رشيدوف الكاتب الأوزبيكي الذي كان من مضيفي الكتاب في المؤتمر التأسيس " الأول" يطالبنا اليوم بما قاله في افتتاح المؤتمر اليوبيلي في طشقند عام 1984 حيث قال:" نحن نتصدى لمحاولة الإمبرياليين والمستعمرين بذر الشقاق فيما بيننا وتفريق صفوفنا، ونحن نؤكد وحدتنا ومثلنا وتطلعاتنا المشتركة.". لقد كان هناك جهد ينصب على "النضال من أجل السلام والديمقراطية وحرية الشعوب." ربما كانت نوايا السياسيين مختلفة، وبدا إفلاسهم صاعقاً، ولكن الكتاب كانوا مخلصين في دعواتهم، ولا نريد لمؤسسة نحييها أن تكون أداة تتلاعب بها السياسات بل قوة تضع حداً لعبث الساسة بالناس والحقوق والحريات وقضايا الشعوب ومصالحها. لقد كان من أهداف الاتحاد ومقومات تكوينه أنه بيتٌ للجميع يستشعرون فيه المسؤولية حيال الشعوب والقيم والثقافة.

وكان هناك تركيز على دور الأدب والكتابة والإبداع ومن ذلك نذكر توجهات أكدنا عليها نحن الأدباء والكتاب في مؤتمراتنا ولقاءاتنا التي أقمناها في إطار ذلك الاتحاد، وكنا نريد تدعيم مواقع الإبداع والمبدعين، وحضور الموقف الثقافي للكتاب والمبدعين في ساحة القرار السياسي، وأن نقف في وجه التدخل الاستعماري في الشؤون الداخلية لبلدان آسيا وإفريقية وشعوبهما، ونريد لهما التحرر والتقدم، ونرى أن ينغمس الأدب في صلب حياة الشعوب ونضالها، وأن يقوم بهندسة النفوس وبنائها. وفي هذا السياق أذكر قولاً لزميل وصديق شاعر كالميكي هو دافيد كوغلتينوف قال:" لا توجد آداب على هامش الحياة، إنها مترابطة بكل خيوطها وأشعتها وطاقاتها بحياة الشعوب.. للكلمة.. كلمة الحب .. كلمة الصداقة.. قوة جبارة." وأنا أوافقه في هذا، بالقدر الذي أوافق فيه رأي صديقي دجوبان مولدا علييف الذي قال:: "إن الحياة هي تجسيد لخلود الروح البشرية ومآثرها، وقد انطلقنا في نشاطنا الاجتماعي والإبداعي من هذا الإقرار الرائع". نحن لا نريد حركة اتحاد كتاب آسيا وإفريقية، المستعادة بعزمنا جميعاً إن أمكن، لا نريدها حركة أيديولوجية تسير في فلك حزب أو منظومة ولكن حركة مستقلة تضم المبدعين وتجمعهم على أهداف إنسانية كبيرة، حركة تقف ضد الظلم والعدوان والقهر والاستلاب والتمييز العنصري، وترفض استخدام الأدب والأدباء أدوات في الحروب الثقافية الباردة، وترفض جعل الأدب جزءاً من الإملاء السياسي.. حركة تحمي هويات الشعوب والشخصية الثقافية لكل أمة ومقومات خصوصيتها، وتحافظ على مناخ الإبداع السليم وعلى القيم، وعلى مناخ صحي للحوار والمثاقفة والتعاون ونشر الوعي والثقة المتبادلة والاعتماد المتبادل بين الأمم والدول.

لا نريد أن نتنكر لنضال شعوبنا عبر التاريخ ولا لانتمائنا الوطني والقومي، ولا لعقائدنا الدينية، فالإيمان والهوية والانتماء القومي من مكونات الهوية وخصائص الشخصية الثقافية التي تُستهدَف من الإمبريالية والصهيونية، وهو مما لا يمكن محوه أو إذابته أو القفز فوق حقيقة رسوخه. وتجربة الاتحاد السوفييتي ودوله، بعد سبعين سنة من المحاولات الفاشلة لإذابة الدين والقومية، هي خير دليل قريب على ذلك.

ومما نرغب في التركيز عليه وحمله بشجاعة واعتزاز تاريخنا وتراثنا اللذين نعزز بهما مواقف شعوبنا وانتماءها وثقافتها ونضالها من أجل الحرية. وربما من هذا المنطلق لا أتفق مع صديقي الكبير الشاعر المرحوم رسول حمزاتوف الذي ظن أنه كان ضحية تربية وجهل جعلاه يرى الشيخ شامل بطلاً قومياً أشاد به في قصائد، فتحول عن ذلك ووصف نفسه ووصف بطله بما أراد الآخرون أن يصفاهما به، ولكن.. هل شعب داغستان وشعوب القفقاس تنظر للشيخ شامل هذه النظرة وتراه عميلاً للانكليز، وهو الذي دافع عن بلده في وجه العسف القيصري.؟ قال حمزاتوف: " على الشاعر ألا يكون ظلاً لزمنه، حدث معي الأمر التالي: كان ذلك عندما قالوا لي إن بطلي شامل عميل انكليزي تركي وأعلنوا أنه لم يحارب من أجل حرية شعوب داغستان وإنما أشعل الكراهية بين الشعوب، فكتبت القصائد التي تفضح شامل. لم أعرف التاريخ، ولم أفهم جوهر ما حدث، كنت أشبه في ذلك الجبلي الذي يتصفح القرآن وهو يجهل أي حرف من حروف الأبجدية العربية، ومع ذلك فهو يشعر بتجربة الفرح. فالشاعر لا يمكن أن يكون ظلاً لأن كلمة الشعر هي المنار دائماً ومنبع الضوء، وإن كان هذا الضوء خافتاً، فالضوء الخافت والقوي في آن لا يرمي الظلال.. الضوء يظل ضوءاً. وفي الشعر عليك أن تكون نفسك. وحتى تستحوذ على الآخرين عليك أن تذهب داخل الشعر بمشاعرك الطيبة فالشعر والمكر، الشعر والتخاذل، لا يلتقيان.".

  دمشق في 18/12/2009

علي عقلة عرسان

 

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |