|
| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث | |
|
قراءة في صفحة من صفحات الذاكرة أو انطباعات عن الحياة الثقافيّة في ألمَانيا الديمقراطيّة لاسيما من خلال المؤتمر العاشر للكتاب الألمَان أعيد اليوم قراءة صفحة من صفحات ذاكرتي، كما سجلتها منذ عقود من الزمن دون زيادة أو نقصان، لأقف على ما كان رؤية واستشرافاً، وأصبح متغيرات تم التطلع إليها والإرهاص بها من خلال فكر ورأي وحركة شباب ومجتمع.. وأعيد قراءتها على مسامع من يسمع، لأن فيها أكثر من درس لمن يريد أن يتعلم من التاريخ وتجارب الشعوب، وإرهاصات الفكر والأدب وتطلعات أهل الرأي وأحلامهم. إنها صفحة تعود إلى ما قبل هدم جدار برلين، إلى عهد كانت فيه ألمانيا لديمقراطية دولة.. ولكن في أحشائها كانت أحلام وتطلعات تنفذ من بوابة "براندنبرغ" إلى برلين الغربية وأوربا الموحدة.. هل ترى في ذلك الذي سجلته وأعيد اليوم قراءته، بعض الفائدة.؟! أرجو ألا أكون مخطئاً إذا قلت: نعم. وهذه هي صفحة من صفحات الذاكرة كما سجلت تماماً في حينه. قال توماس مان في عام 1952: "لدي انطباع بأن جمهورية ألمانيا الديمقراطية تبدي الاحترام والتقدير الكبيرين للفكر إذا لم يكن معادياً. "وأضيف أنها اليوم تفتح صدرها للحرية وتتسع لرأي المعارضين وتناقش الفكر المعادي". زرت ألمانيا الديمقراطية أكثر من مرة، وأتيحت لي فرصة رؤية شوارع وساحات وأماكن كانت خراباً وأصبحت الآن تعج بالحياة والعمران. كنت من أوائل الذين دخلوا برج برلين، ومشيت على قسم كان ترابياً بين شارع انتر دن لندن وقصر الثقافة، في الوقت الذي كان فيه عمال البلدية يقومون برصف الطريق، وفي ذلك الجزء من الشارع العريق حضرت، في دار للفن هناك، عرضاً متميزاً لأوبرا اسبارتاكوس، وفي إحدى زياراتي وجدت شتات برلين يرتفع في مكان كان بالنسبة لي فارغاً أو يكاد. زرت في ألمانيا الديمقراطية عدة مدن إضافة إلى برلين، وفي أوقات مختلفة أذكر من تلك المدن: لا يبزع- بوتسدام- فايمار- درسدن- مكديبورغ- شفيرين- وفرانكفورت غوته، وقرية صغيرة تحمل اسم ذلك المعمل العريق الذي يعرف اسمه كثيرون في العالم "ما يسن" مركز صناعة الخزف الألماني المتميز الذي يعود تاريخه إلى مئات من سنين خلت. ويبقى في ذاكرتي من ألمانيا الديمقراطية صور وانطباعات وحالات ذكرى منقوشة بعمق في أعصابي ولا أقول في قلبي. "البرلينرانساميل" حيث شاهدت عدداً لا بأس به من مسرحيات بريخت، ومسرح النو الياباني الذي شاهدته هناك لأول مرة في حياتي، وعرضاً تربطني به صلة خاصة هو مسرحية "المأساة المتفائلة" من تأليف الكاتب السوفييتي فشنيفسكي، تلك المسرحية التي ترجمتها وأخرجتها للمسرح القومي، وكان لي بعد مشاهدة عرضها هناك نقاش مكثف مع المخرج والممثلين خلف الكواليس خرجت منه مكللاً بباقة كبيرة من الزهور كان قد تلقاها الممثل الأول على الخشبة، فأصر على أن يقدمها لي. في "المتروبوليتان" تلقيت خبر حرب تشرين بعد ساعتين من بدئها، كِنت في كواليس المسرح ومعي فرقة فنية ( فرقة أمية للفنون لشعبية ) وكنت مديراً للمسارح والموسيقا وبهذه الصفة كنت مسؤلاً عنها. وكان علي في ذلك الوقت أن أتخذ قرارات صعبة في ظروف صعبة، وكان ذلك فقد تحولنا إلى جنود في جبهة العمل خارج البلاد، غيَّرنا برامجنا وطفنا ألمانيا يرافقنا ضابط سابق في الجيش الألماني هو سيدة حازمة ودقيقة، ثم طفنا بعد ذلك هنغاريا، نرفع صوت الوطن وننادي بالتحرير ومقاومة لاحتلال، وتحولت لقاءاتنا أينما ذهبنا في ألمانيا إلى لقاءات تضامنية، بالمفهوم العام الشامل والفعلي لمعنى التضامن، وسأذكر دائماً قرية ألمانية متواضعة على الحدود، قدم لنا أطفالها ثمرة يوم عمل قضوه في جمع ثمار من الغابات وأهدوا قيمتها لشعبنا عن طريق جمعية الصداقة الألمانية-السورية.. إنه عدد محدود جداً جداً من الماركات لم أعد أذكر الرقم الآن، ولكن اللفتة ذاتها لا تقدر بثمن. يكفي أن يشعر الأطفال الألمان بعدالة قضيتنا وأن يبذلوا جهداً للتضامن معنا. وسوف أتخذ من تلك الحادثة مدخلاً لانطباعاتي عن المؤتمر العاشر لاتحاد الكتاب الألمان الذي عقد بين 24-26 تشرين الثاني/ نوفمبر 1987 في برلين.. فأقول إن الثقافة في نهاية المطاف قيم ومعايير أخلاقية وروحية وإنسانية، قيم علم وقيم عمل تجعل للحياة معنى، ولكل جهد يبذل فيها وظيفة تحقيقاً لغاية سامية. إننا لم نخلق عبثاً، ولا ينبغي أن نعيش عبثاً. فهذه الهدية الثمينة "الحياة" يجب أن نستثمرها جيداً، ونعيش دقائقها بغنى، ونجعلها ثرية بما يكفي.. لنا ولسوانا، فهذا نوع من فضل وذكرى نتركها في الأرض. والحياة حين نستثمرها جيداً توفر لنا المتعة، وللأجيال الفائدة، وللنوع البشري استمرار البقاء والتطور والتسامي. وفي الحياة نوسع أفق المعرفة، ونمخر، بالوعي المعرفي, عباب المجهول لنكتشف رؤانا ونوسعها، لكي نحلم ونعمل ونحقق الأحلام وتتسع رقعة سيطرة الإنسان على المجهول، وتزداد قوانين المعرفة العلمية وتغدو في خدمة الحياة والإنسان. ولا أظن أن هناك طموحاً أكبر وأسمى من ذلك الذي ينشده الأدب والفن وترتاد عوالمه الكلمة والنغمة والحركة واللون، من أجل أن نصوغ مستقبلاً ورؤية، أملاً وعملاً، يشعر معهما الإنسان بالسعادة في ظل أمن من جوع وخوف، هما أهم ما يحتاج إليه الكائن الحي. والكتاب الألمان الذين كان لي شرف حضور مؤتمرين من مؤتمراتهم، التاسع والعاشر، كانوا يضعون في مقدمة اهتماماته التزامهم، أو التزام الأدب، بالسلام والاشتراكية والحياة الحرة الكريمة للأفراد والشعوب والأوطان في عالم يتسع للجميع ويتطلب غنى الثقافات وتنوعها وتفاعلها من أجل إغناء الحضارة والحياة وجعلها أكثر لياقة بالإنسان.. فهل هم بذلك يجسدون نداء إعلان الجمهورية الذي ترافقت معه انطلاقة ثقافية جديدة إنسانية ومسؤولة في ألمانيا، أم أن الأدب خاصة والتوجه السليم للثقافة عموماً هما اللذان أعليا أصلاً النداء الذي يقول: "لقد نشأت في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 1949 على الخريطة دولة ألمانية شعارها وإلى الأبد، لا الحرب بل صيانة السلام، ولا الكراهية بل الصداقة بين الشعوب. وهنالك لأول مرة في التاريخ، دولة ألمانية، يعلن شعبنا وبكل سريرة نقية وأمام العالم، مناصرته لها." وسجَّلا على حدود ألمانيا الديمقراطية شعاراً يقرؤه القادم والمغادر: "لا يجوز أن تنطلق أبداً حرب عالمية جديدة من الأرض الألمانية".؟ أياً ما كان الأمر فالنتيجة الواضحة تشير إلى أن الثقافة والعمل السلمي يعتليان العرش في تلك البلاد التي أفسدت فيها النازية السلم والثقافة في أيام غير بعيدة، وهي تسير الآن بتصميم في اتجاه إنساني، وتردد مع بتهوفن وعلى أرضية من إبداعه العظيم "كل البشر سيصبحون أخواناً". ولكن هل ألمانيا الخمسينات هي ذاتها ألمانيا الثمانينات؟! وهل الكتاب الألمان في المؤتمر التاسع، هم أنفسهم في المؤتمر العاشر؟! كثير من الوجوه رأيتها والأسماء سمعتها في المؤتمرين، وأكاد أقول بإخلاص: إن الشخص ذاته ليس بالضرورة هو هو. ولا أعني ذلك التطور الذي لا بد أن يرافق نمو الشخص، والمعرفة والتجربة في الحياة.. فهذا طبيعي، ولكن المناخ تغير فتغير الأداء، وتحركت في الأعماق كلمات وآراء واعتراضات وأسئلة تنتظر أجوبة.. والبحث مستمر. لقد أثرت تماماً رياح غورباتشوف على المناخ الألماني الديمقراطي، كما أثرت في مناخ سائر البلدان الاشتراكية، وربما في كثير من البلدان. و" العلنية والديمقراطية وروح التغيير وإعادة البناء" تتجلى في كثير من المواقف والآراء والكلمات. وحتى أكون دقيقاً لا بد أن أشير بوضوح إلى أن ما لمسته في المؤتمر العاشر لاتحاد الكتاب الألمان، وفي لقاءات الكتاب في عهد "العلنية والديمقراطية" كان أكثر وضوحاً واعتراضاً وجذرية، واستعملت الحرية في بعض الحالات القليلة استعمالاً متطرفاً بشيء من العداء المكشوف والمناقضة الصريحة لثوابت فكرية وممارسات مسلم بسلامتها في العهود السابقة جميعاً. ـ 2 ـ المؤتمر العاشر للكتاب الألمان: افتتح المؤتمر"[1]" الصديق هرمان كانت رئيس الاتحاد بتقرير شامل قدمه بحضور القيادة السياسية العليا للحزب والدولة، وتابع المسؤولون باهتمام كل ما جرى، وحضروا الجلسة الأولى بكاملها مصغين للكلمات والمداخلات، مؤكدين أهمية الكلمة ودورها، وحرصهم على أن يروا، في ما يقال، عوناً لهم على أداء مهام أو كلها الشعب إليهم.. وهذه نقطة إيجابية تسجل لهم. وعندما تناول الحوار في إحدى الجلسات شؤون البيئة أتى وزير البيئة ليقدم مداخلة مفصلة قدمت معلومات أفادت وأقنعت وفتحت العيون على مستجدات لم تكن تراها. لقد كان هرمان كانت على حق حين قال: "نتكلم الآن من برلين المدينة القديمة التي تتجدد، بأفضل مما تكلمنا في أية مرة سابقة.. اللحظة هي الآن.. والبناء يعلو.". كان على حق فالكلام هذه المرة مختلف، إنه يحمل طعم مناخ مغاير لكل مناخ سابق. "في هذه القاعة لن نتكلم فقط عن الفاشية ولكن عن الحرب الباردة أيضاً، وندافع عن الشعر ونطرح قضايا الكتاب، ولا بأس في أن نقول أن كتاباً مشهورين غادروا إلى الجانب الآخر.. نهتم بكل ما يعني الأدب ذلك الذي يلعب دوراً كبيراً في أنسنة الإنسان". كما أشار ستيفان هرملين "بشيء من التصرف". إن المناخ الجديد يفرض نفسه، ورياح التغيير تهب على ألمانيا الديمقراطية أيضاً، والمناخ الجديد يرسم معالمه السياسة الجديدة التي تجلت هناك في كثير من مظاهر التفكير والتعبير، وفي الممارسة الديمقراطية العلنية.. إنه المناخ الذي لا يمكن تجاوز معطيات واقعية بدأ يضعها في الحسبان بشكل مسموع، وحدد إيريش هو نيكر الأمين العام للحزب رئيس الدولة بعض معالمه حين قال: "لا يوجد بديل مقبول عن التعايش السلمي بين دول ذات أنظمة اجتماعية متباينة، ويستنتج من ذلك أنه ينبغي استبدال المجابهة بتعاون قائم على قاعدة عريضة. وهذا ما ينطبق أيضاً على العلاقات مع جمهورية ألمانيا الاتحادية. ونحن على يقين من أنه على طريق كهذه فقط، يتم بناء الدار المشتركة: "أوربا". دار سلمية لجيرة حسنة بين دول اشتراكية ورأسمالية (...) دار لا تشكل فيها المجابهة، بل التعاون بين دول ذات أنظمة اجتماعية متباينة، القانون الأساس لنهج كل بلد ولقيادة كل حزب ودولة"- هونيكر في 16/12/87 ـ وهذا المنطق يحل محل منطق آخر تجاوزته المعطيات المعاصرة، ويشكل مدخلاً أكثر واقعية في السياسة الدولية وفي العلاقات الاجتماعية والثقافية بين الدول والشعوب، والثقافات، فكيف بين دول شعب واحد وثقافة واحدة. وسوف اقتصر على إشارات بسيطة إلى مشكلات رأيتها أكثر من سواها جديرة بالاهتمام، لاجتهاد مني أو لانطباع ما بقي لدي، لا شك في أن له ما يبرره. وما سأشير إليه مما ورد في التقرير أو المداخلات أو في توصيات اللجان سأجمله في فقرات تسهيلاً للعرض. وقبل الدخول في ذلك أود أن أذكر الأرقام والوقائع البسيطة التالية: - شارك في المؤتمر العاشر لاتحاد الكتاب الألمان /280/ مندوباً عن الكتاب في ألمانيا الديمقراطية مثل كل منهم ما بين 15-20 كاتباً. - نسبة الرجال إلى النساء بين المندوبين 80.3%. - معظم المشاركين من برلين /140/ مندوباً، وهذا يشكل اعتراضاً ودياً من قبل بقية الأقاليم - إلا أن شكوى الأقاليم تأتي من أمور غير ذلك. - بين المندوبين 70 كاتباً من غير الحزبيين، أما البقية فهم من الأحزاب المشتركة في الحكم. - تم توسيع مجلس الاتحاد إذ وصل العدد المنتخب إلى 99 عضواً وبقيت قيادة الاتحاد دون زيادة من حيث العدد، كما تم التجديد لكثير من أعضاء القيادة بينهم الرئيس ونوابه الثلاثة والأمين العام. - تكلم في المؤتمر تسعون متحدثاً. - حضر ضيوف من خمسة وعشرين دولة صديقة للشعب والدولة والكتاب في ألمانيا الديمقراطية أما المندوبون فكانوا من أعمار مختلفة مندوب واحد كانت تحت سن العشرين و/18/ مندوباً بين 30-40 سنة و/67/ مندوباً بين 40-50 سنة. و/119/ مندوباً بين 50-60 سنة و/53/ بين 60-70 سنة و/22/ مندوباً فوق سن السبعين. وسأبدأ عرض المشكلات من حيث انتهى إليه حديثي في الأعمار. ـ 3 ـ - هناك جيلان من الكتاب: - جيل يعيش -بعد رحلة الحرب وما قبلها- يعيش للمرة الثانية رحلة ما بعد الحرب. وهو جيل له رؤية: تعذب وتشرد وانتهك ضميره وتعرت روحه وجرحت على أكثر من شفرة سيف، ولقد رأيت كثيرين منهم، واستمعت، من فوق منصة مؤتمرات دولية، اعترافات وإدانات للذات صادرة عن ضمير يفيض بالمعاناة وشخصية تريد أن تتحمل وزر الآخرين وذنوبهم. قال أحدهم أمام حشد كبير من الكتاب في مؤتمر اتحاد الكتاب الألمان: "كنت جندياً على الجبهة الروسية ووصلت إلى مشارف موسكو، وهناك تعلمت درساً. امرأتان أثرتا في ولقنتني كل منهما درساً في الحياة. تلك الفلاحة الروسية على مشارف موسكو، وآنا زيغرز الكاتبة والمناضلة الألمانية. آنا علمتني الإصرار والنضال بروح إنسانية عالية في أصعب الظروف، والانتماء الواضح للفقراء وللاشتراكية.. وقد كانت رئيسة لاتحادنا. والفلاحة الروسية سألتها وأنا في قرية على مقربة من موسكو وبالبزة العسكرية الألمانية: هل موسكو بعيدة من هنا فقالت: برلين أقرب لك منها. يومها رمقتها باحتقار ولكن درسها نبت ونما في دماغي وهو يكبر حتى اليوم". - وجيل الشباب الجديد الذي ينظر إلى الكبار على أنهم انتهوا، أدوا أدوارهم وما عليهم إلا أن يتواروا وأن يخلو الساحة للنشء الذي يتفتح في أفق ومناخ آخرين. وهو جيل بعيد عن الشعور بالمعاناة، لم يذق طعم الويلات، ربما شاهد بقايا الأحياء المهدمة، ولكن الآباء وفروا له طفولة أقل قسوة، وحياة أكثر لياقة بالإنسان وها هو يتنفس هواءً مغايراً لذاك الذي تنفسه الآباء.. جيل له أحلام وآمال وتطلعات، ويعيش في ظروف مختلفة نسبياً، يريد أن يحقق ذاته، وأن يتجاوز قيوداً يشعر بوجودها، ولذا فهو يتململ ويريد أن يغير وربما أن يحطم أشياء كثيرة، وتغريه أحياناً النظرة من بوابة "براندنبرغ،"، ويصمد أمام إغراءات وسموم الإعلام الآخر الذي يحاصره، ولكنه يحلم كثيراً بالطيران فوق سور برلين. إنه جيل لديه إمكانيات إبداعية -باعتراف الكبار- وربما كان على شيء من العجلة، فهو ابن عصر السرعة والصواريخ العابرة للقارات وعصر ارتياد الفضاء. وهذا الجيل توفر له إمكانيات جيدة، والمناخ الثقافي الموجود في ألمانيا الديمقراطية مناخ متميز بتنوعه ووفرة ما يقدم فيه من نشاطات، وفي الإنتاج المقدم قيمة لا يمكن تجاوزها. ولا شك في أن الأجيال الناشئة، من المبدعين أو سواهم وجدت بين يديها ما لم يحلم به أبناء الأجيال السابقة مجرد حلم: المكتبات ودور النشر والمجلات والصحف والمتاحف والمسارح والمؤسسات المهتمة بالثقافة على الصعد جميعاً وفي الأماكن والمجالات كلها، الأمر الذي حقق مقدمات النهوض في مناحي الحياة المختلفة، ولاسيما الثقافية منها. ويضاف إلى ذلك نظرة منفتحة وإنسانية للثقافة هي النقيض التام لما ساد قبل قيام ألمانيا الديمقراطية، وتتجلى تلك النظرة في توجه تجسده الثوابت التالية التي تحدد الموقف من التراث الثقافي للأمة وللإنسانية، والموقف من الثقافة المعاصرة انطلاقاً من روح العصر: - "انطلاقاً من سعة نطاق مفهوم الثقافة، فإن التراث الثقافي يشمل كل ما يدل على قدرة الإنسان الخلاقة، وكل ما اكتسب حتى تاريخ الإنسانية الحالي من الآراء والأفكار عن جوهر العالم وماهيته، وعن الإنسان وكل ما وضعه من المبادئ والمثل التي تهدينا إلى المستقبل، وعن كل ما يخلق من قيم الجمال والشعر وما يخدم تطور الإنسان. كما ويشمل الأدلة والشواهد الموروثة للتقدم الاجتماعي والفكري في كل ميادين الثقافة. أي في ميادين العمل والبيئة والعلوم والفنون. ويشمل التراث الثقافي في جمهورية ألمانيا الديمقراطية جميع الإنجازات الثقافية التقدمية والإنسانية الكبيرة التي حققتها شعوب كل القارات".[2] - "إن من يريد إتقان أداء مهام العصر وسلوك طريق إلى المستقبل بخطا ثابتة وأكيدة عليه أن يطلع على خبرات الماضي وتجاربه وقيمه الثقافية".[3] وعلى ذلك فإن المعطى الذي يقدم للحركة الثقافية يسمح لجيل الشباب بمثل هذا التوق إلى الانعتاق، ولكن هل يمكن القفز فوق الواقع وفوق حقائق العصر؟! هذا ما يحاول أن يلقنه الكبار للشباب، وهذا أيضاً ما يحاول أن يقدمه الشباب للكبار على أنه تفسير جديد ورؤية جديدة فرضتها حقائق العصر ومعطياته، ولا بد من القفز فوق تاريخ وتجارب مريرة ثبتها الماضي في ذهن الكبار، حتى لا نبقى أساراها. فلمن يكتب النصر في هذه المعركة التي لا تدور في ألمانيا الديمقراطية وحسب، وإن كان لها هناك خصوصية وظروف مغايرة لما لسواها؟! إن منطق الحياة يشير إلى استمرار التقدم والتغيير، ولكن منطق الحياة يشير أيضاً إلى ثبات ما هو سليم ومنطقي وأصيل عبر التاريخ. إن صراع الأجيال من حقائق الحياة، وربما كان لا يأخذ طابعاً جدياً في مجالات الكتاب، ولكنه موجود بدرجات مختلفة، ولا يجوز أن نهمله كما لا يجوز أن نضخمه. ـ 4 ـ ظاهرة أخرى استرعت انتباهي، في مداخلات عدد من الكتاب الألمان، وهي في بعض مناحيها، ظاهرة خاصة بمعنى أنها " من ألمانية بعد الحرب العالمية الثانية"، ولكن ينميها ويحركها أحياناً دافع خارجي، وتلعب في ذلك عوامل عديدة. وهي محاولة بعض الأشخاص القيام بنوع من الإدانة للذات بهدف التكفير عن ذنب جماعي أو فردي. ولكن ذلك ينحصر أو يراد له أن ينحصر بتعاطف لا يُفحص جيداً مع اليهود، ويأخذ أحياناً مدلولاً ومنحى خطراً في الغايات النهائية التي يرمي إلى تحقيقها من يتقصدون العزف على هذا الوتر. وسأقدم لذلك ثلاثة أمثلة مختلفة تشكل، أو علها أن تقدم بمجموعها، منظورات توضح أبعاد المشكلة: أولاً- د. جزيلاً كرافت شاعرة وباحثة متخصصة في العهد العثماني، كانت تعيش في ألمانيا الاتحادية، وانتقلت إلى العيش في ألمانيا الديمقراطية مختارة، على نقيض أولئك الذين كانوا يعيشون في الـ D.D.R وانتقلوا إلى الجانب الآخر مثل سارة كيرش اليهودية وتوماس برانش وروزا لكسمبورغ وسواهم. كانت كرافت من الذين ينظرون إلى أنفسهم نظرة مشوبة بإرث الماضي، قالت لي: "كنت أعتقد أننا نحن الألمان شعب ليس فيه ميزات حسنة، وارتكب ما لا يغتفر. شخص ياباني غير هذه النظرة، قال لي يوماً: إن فيكم أنتم الألمان أشياء جيدة أيضاً ويمكن أن تصبح أكثر وأحسن. وبدأت أنظر واكتشف وأتطلع إلى المستقبل". وهذا بتقديري تصرف طبيعي، نظيف وواقعي. ثانياً- ذلك الكاتب الألماني الذي كان جندياً على حدود موسكو، والذي أخذ درسيه من آنا زيغرز ومن الفلاحة الروسية، وأعاد النظر بموقفه وأعلن ذلك مؤكداً الإدانة المطلقة للحرب وللنزوع النازي وأشكال الفاشية، مكتفياً بالعمل الإنساني العام، وبالبحث عن الحقيقة والرؤية السليمة ومناصرة الاشتراكية والحق وقضايا الشعوب، ومن أفراد ذلك النموذج من يقول عندما تذكره "تشر نوبل" وقضايا تلوث البيئة، "نحن طبخنا الوجبات "الخاطئة" المرة وأطعمنا الناس ولا يمكن أن نشكو"، "أنا أشارك في تهديم الطبيعة."، "أنا أرى أن العالم حالياً يريد تحطيم الحياة". ثالثاً- روز ماري شوده كاتبة ألمانية تقوم الآن بتأليف كتاب بعنوان اللطخة الصفراء La tache jaune عن "الحقد والعار الذي ألحقناه -تقصد الألمان- باليهود". وهذا بنظري أمر طبيعي ومشروع أي أن تبحث وتنشد الحقيقة وتفضح الممارسات غير الإنسانية، ولكنها في مداخلتها أمام المؤتمر جعلتني بعض المغالطات المموهة التي أطلقتها أستيقظ على أمر خطير يتم الترويج له، وفي ضوء هذه الانتعاشة أعدت ربط بعض الوقائع مما تم هنا وهناك فوقفت على توجه خطر يحاول أن يستثمر عقدة الذنب عند الألماني ويفرضها عليه، ويجر الشعب الألماني إلى مواقف باسمها. قالت شودة إن اليهودي إبراهيم يشوع هيشل بقي إلى جانب مارتن لوثر كينغ عندما قتل ولازمه حتى اللحظات الأخيرة متحملاً الخطر." وهي بذلك تدعو السود في أميركا على الخصوص، واستنتاجاً في سواها، إلى تقدير ذلك اليهودي الذي يمثل بنظرها قومه الذين هم على شاكلته، أولئك الذين "كانوا ضحايانا" كما تقول. ولم تشر إلى وقوف اليهود الصهاينة في فلسطين مع عنصريي جنوب إفريقيا الذين يقتلون السود ويعاملونهم كشعب من الدرجة الثالثة ويمارسون التمييز العنصرين، وتناست الطبيعة العنصرية لدولتي إسرائيل وجنوب إفريقيا؛ والممارسات العنصرية الصهيونية في إسرائيل ضد السكان العرب، وحتى بين اليهود الغربيين والشرقيين. وبمثل هذا التحرك دفعت متكلمين إلى السير في موكب من يضربون أنفسهم بسلاسل الحديد ويتذكرون غرف الغاز وبوخنفالد، ويوقظون الماضي، من دون أن يجرهم ذلك إلى إدانة الحقد والعنصرية والفاشية التي تمارسها إسرائيل ولا جرائم الصهيونية البشعة، إنهم يعملون من أجل نوع مطلوب من التعاطف، تعاطف مطلق مع أولئك الذين "كانوا ضحايانا". وفي ظل هذا يصعب على ألماني تشعره بالذنب، أن يرفض ممارسات اليهود اللا إنسانية حتى لا يتهم بالسامية، وهناك من يلاحقه بتلك الأحاسيس والتهم حتى يجبره على أن يدفع تعويضات لأولئك الذين يضطهدون العرب. وفي الوقت الذي يدعو فيه ذلك الفريق من الكتاب -ونحن معهم- إلى أن ينشد المؤتمر إلى المهجرين من جنوب أفريقيا، يتناسى المهجرين من فلسطين، ويذهب بعض الكتاب في استشعار الذنب إلى حد القول: "نحن الكتاب الألمان لدينا الإمكانية لأن ننقذ أنفسنا.. التضامن أصبح ضعيفاً ويكاد لا يمس قلوبنا.". وحين ربطت ذلك بمحاولات إبراز عناصر وتكريسها ورسم حالة حولها، وهي خارج المؤتمر، كما جرى في تلاوة رسالة "كرستا فولف" التي تعدها الأوساط الصهيونية للترشيح لجائزة نوبل، ومحاولتها إثارة قضية وافتعالها لشد الانتباه إليها، الأمر الذي دعا هرمان كانت إلى التنبيه إلى تصرفات "النجوم" هذه. حين ربطت ذلك بجهد أولئك الذين تنحصر مهمتهم في "عدم السماح للعشب بأن ينمو فوق الأشياء." وقرنته بما لمسته من جهد اللوبي الصهيوني في كل مكان، ولا سيما بروز جهد يهودي ملحوظ في الاتحاد السوفييتي في عهد الحرية والعلنية والديمقراطية، يحاول أن يطفو على السطح ويركب الموجة ويعلي شأن المنشقين والمعادين، ويوفر للمزدوجي الجنسية ظروف الهجرة.. وهناك حديث عن توفير الظروف الملائمة لهجرة مليونين من اليهود السوفييت، ليقتلعوا أسراً فلسطينية جديدة من بيوتها أو ليقتلوها ويسكنوا على جثثها تحت شعار "حقوق الإنسان".. حين ربطت ذلك كله أدركت بأن اللعبة ستمارس الآن في ألمانيا الديمقراطية على أوسع مدى، وأنه يراد للشعب الألماني أن يخضع للابتزاز الصهيوني بأشكال مختلفة، وأن على الألمان الشرقيين الآن أن يدفعوا ويأثموا بعد أن دفع الغربيون الكثير ومازالوا على لائحة الابتزاز الصهيوني، وقد قطع اليهود الصهاينة مراحل على طريق الابتزاز لشعب ألمانيا الديمقراطية. ولا يتجلى ذلك في إعادة بناء "الكنيس" في برلين الذي كلف مليارات الماركات، وإنما في أعمال أكثر خطورة وأبعد مدى. الأدب والسلام، والأدب والحرب: إن موضوع نزع السلاح، والتخلص من الأسلحة النووية، ووقف سباق التسلح والدعوة إلى السلام، كل تلك الأدبيات المتصلة بهذا الموضوع، والوقوف ضد الفاشية والعنصرية وما يثير الحرب... كل هذه القضايا نذر لها الكتاب في ألمانيا الديمقراطية أنفسهم، وأستطيع أن أوكد بحق أنهم أكثر الدعاة حرصاً وجدية وحزماً وتبصراً، في هذه المجالات، لأن أيديهم في النار كما يقال، والمعنى واضح وشامل لمن يدقق فيه. ويكاد يكون قول هرمان كانت في الندوة التي عقدت في أيلول عام 1981 حول الكاتب والسلام ممثلاً للمصداقية التامة لجهد الكتاب الألمان في هذا المجال حيث قال: "ينسجم نشاطنا مع طبيعة المجتمع الذي نعيش فيه. إن حب السلام والاستعداد للدعوة إلى السلام والنضال من أجله، جزء من الوعي القائم، وفي جمهورية ألمانيا الديمقراطية منظمة خبراء فيما يخص قضية الحرب والسلم، والدليل على ذلك يكمن أخيراً وليس آخراً في الأدب الذي كتبناه. إننا وعن حق مؤلفو مكتبة عن السلام، كما أننا اتحاد يدرك عمّ يتحدث عندما يتحدث عن النضال والمقاومة وعن التجربة المسؤولة." [4] وهناك إدراك تام لحقيقة أنه "لا يمكن للمرء أن يبني أو يقهر بالأسلحة النووية، لا الرأسمالية ولا الاشتراكية" كما يقول كانت. وقد جاء رأي السياسيين مواكباً لرأي الكتاب أو أن حصيلة التفاعل أدت إلى القول الفصل في ذلك المجال وهو يتجلى في المقولات التالية: - "إن المزيد من الأسلحة في العصر النووي لا يعني تحقيق المزيد من الأمن.".[5] - إن من يمتلك كمية أكبر من الأسلحة عليه أن ينتزع كمية أكبر من السلاح. أي إزالة عدم التكافؤ عن طريق نزع السلاح.".[6] ولقد تكلل هذا الجهد العام للمثقفين، ولاسيما الأدباء والكتاب في العالم كله، وعلى الخصوص في دول المنظومة الاشتراكية، بنجاح واقتناع تامين بذلك التوجه وبعدالة تلك المعركة وبضرورة خوضها بإخلاص، حتى يتحقق خلاص للجنس البشري وللأرض من الكارثة النووية. ولقد تجسد ذلك في نص تضمنته اتفاقيات الدولتين العظميين "الحرب النووية يجب ألا تندلع أبداً وأنها لا يمكن أن تسفر عن منتصر."[7] أما قضايا الأدب والحرب بمفهوم أدب الحرب، ففي كل مؤتمر للكتاب الألمان يتحدثون، كما أشاروا، عن الأدب والحرب، وهم يرون أن "التاريخ يجب أن يفعل الكثير حتى لا يصبح العالم تحت وطأة الرعب". وعلى الرغم من كثرة ما يكتب من أدب الحرب فهناك موضوعات عديدة لم تعالج، وموضوعات تحتاج إلى إعادة معالجة لتكون أكثر جلاء وأكثر خدمة للبشرية وأكثر إفادة للأجيال. حتى أن بعضهم يتساءل، على الرغم من كل ما كتب عن موقف الأدب من الحرب، يتساءل قائلاً: "هل الأدب ضد الفاشية؟! يوجد اليوم أناس يريدون الحرب.".[8] واعتقد أن الكلمة المنقذة للإنسانية والمتأصلة فيها ستكون ضد الحرب، إلا أن أنواعاً وأشكالاً من الحروب لن تتوقف، فالصراع عصب الحياة، والحياة تفرز الموت كما يفرز الموت الحياة. وإذا كان تاريخ البشرية الطويل لم يخل من الحروب، فإننا نريد أن نبقى أحياء في هذا العصر بعد نشوب حرب، وحبذا حروباً تبقى حياة، في عصر تسود فيه أسلحة تفني كل شكل من أشكال الحياة ولا تبقي غالباً ولا مغلوباً. وهذا لا يعني أنني مع حرب ما، ولكن يعني استقراء لدروس التاريخ التي تشير إلى وجود الصراع والاقتتال والحرب في جوهر الحياة. ولذا فإذا كان لابد من الشرور فلنختر أهونها. الثقافة والأدب وألمانيا: سوف أتوقف عند سؤال طرحه كاتب ألماني في المؤتمر، وكنت في معرض الحديث عنه مع بعض الألمان، ديمقراطيين واتحاديين، هنا في دمشق وهناك في برلين، قبل المؤتمر العاشر للكتاب وفي أثنائه وبعد انتهائه.. سؤال ينحصر في الثقافة لا في السياسة، وإن كان من الصعوبة بمكان الفصل بين الثقافة والسياسة. والسؤال الذي طرحه الكاتب الألماني على نفسه وعلى سواه قصير ومحدد: أين يوجد الوطن الألماني؟! وإذا كان يهدف إلى إثارة غبار الجغرافية والتاريخ، فإنني أود أن أكتفي بشق يتصل بالأدب، أو بالثقافة على شيء من التعميم. ولا أود على الإطلاق، وليس من حقي أن أخوض في الإجابة، ولكنني أطرح السؤال الذي استمعت إلى وجهات نظر حوله أثارت خلافاً في الرأي بين أربعة كتاب، طرحت عليهم السؤال في لقاء حميم، في بيت اتحاد الكتاب البرلينيين. وكان بين أولئك: الشاعر فولكر براون، ود. جيزيلا كرافت والناقد بنديكت.. وسأكتفي بطرح تنويعات على وتر السؤال: - هل هناك شخصية ثقافية عامة، وشخصية أدبية خاصة، للأدب المكتوب باللغة الألمانية الواحدة، في الألمانيتين؟! - هل يمكن أن يتم تقاسم غوته وشيللر وبريشت، بيتهوفن وباخ، وأن يتجلى في مورثات مختلفة؟!. - وإذا كان الحديث ممكناً عن نظامين سياسيين واقتصاديين مختلفين، فهل يمكن الحديث عن أدبين مختلفين تماماً؟!. إن هناك عالمين منفصلين ولدا بعد الحرب العالمية الثانية، وأنا لتحديد الاختيار مع ألمانيا الديمقراطية وتوجهها، ولكن بالنسبة للألماني الذي يطرح موضوع "الألمنة" بين الجانبين في الفترات الأخيرة، كيف يتعامل مع الإرث الثقافي للعالمين الثقافيين المتجاورين في لغة، والمستندين إلى غوته وشيلر، وكيف سينظر إلى الوطن الألماني، مع وجود: نيتشه وكانت وماركس وإنجلز في الوطن الألماني؟!. إن السؤال بريء تماماً من طرفي، وقد طرحته بنوع من التنويع على وتر، ولكن جوهره العام وربما الغائم، طُرح في جو العلنية والديمقراطية الذي يتفتح الآن، وطرح بإيجاز وربما على استحياء تام، في قاعة المؤتمر من بعض الكتاب الألمان. الأدب والحياة والنقد: لقد ركز الكتاب على دور الأدب في الحياة، وعلى نوع الأدب الذي يريدون واهتماماته التي يجب أن تسود، وأعطوا القيمة الحقة للكلمة، وبينوا بعض مواطن الشكوى، كما رسموا خطوط التوجه من خلال تنوع في الرأي يشير إلى ثراء، مع التقاء على نقاط مشتركة. فالحياة تستحق أن تعاش وعلى الإنسان أن يدافع عن حياته، والأدب يدافع عن استحقاق الإنسان في الحياة، وهذا الاستحقاق ليس ثابتاً جامداً، وإنما هو أفق يطوره ويحركه الوعي المعرفي كما يوسعه ويضيقه. والوعي المعرفي يرتقي بالحرية ويقتضيها ويؤثر في نوع فهمنا لها وفي تجديد أفقها، ولكي يحصل الإنسان على الحق والعدل والحرية قد يحتاج إلى الثورة أو لا بد أن يحتاج إليها. ولا يمكن، بعرف كثيرين، أن تكون هناك ثورة دون سياسة ثقافية!؟. فهل هذا مسلم به.؟. وإذا كانت هناك سياسة ثقافية فلا بد لها من وجود من يرعى شؤونها ويطبقها، وهذا ينشئ طبقة “جنرالات أو مارشالات في الثقافة"، الأمر الذي تذمر منه ستيفان هرملين بشكل عابر. إن الأدب في ألمانيا الديمقراطية، كما عرض الأدباء ورأوا، متصل بالواقع اليومي لهذا العصر أو هكذا ينبغي أن يكون، ومتصل بما يجري أمامنا عندما ننظر من النافذة، وعلى الأدب أن يهتم بذلك الذي يجري وأن يصوره ويعالجه.. "كل الخبز من أجل الشعب، يمكن أن يكون هذا منطلقاً لأدبنا اليوم." هكذا أراد بعض الأدباء أن يكون شعارهم، وأراد آخرون التأكيد بشكل عام على أن "أدبنا يؤكد مسيرة الاشتراكية والسلام. وأنه يجب أن يكون واضحاً أنه لا يمثل رأي وزير الخارجية أو وزير الزراعة.". ولكن آخرين يذهبون في النظرة الواقعية إلى مدى أوسع، فيرون أن الأدب المرتبط بالواقع يجب أن ينعش الخيال أيضاً وأن ينعش الروح. ويعود بعضهم إلى قول ماركس ليؤكد الواقعية على نحو ملائم للأديب حيث يعيد إلى الأذهان قوله: "في الواقع يوجد مصدر الخيال."، والبعض يرى أن مهمة الأدب ومهمة الفن عموماً ليس هي فقط التعبير عن الحياة، بل هي العلاقة الجدلية "الديالكتيك" بيننا وبين الحياة. و أياً كان المنحى فإن الأدب يعبر عن الناس في تطلعاتهم ومعاناتهم ولا يفصل قلباً عن دمه، وفما عن رغيفه، ولا روحاً عن تألقه. وربما كان من أهم ما ينبغي أن يتحلى به الأدب أن يحمل أملاً أو ينعش ميت الروح، إذ يكفي على حد قول غوته: "يكفي أمل ليحرك ملايين الناس.". والأدب بذَّار للأمل. وربما كان الشاعر فولكر براون على حق حين قال: "إننا نكتب لنكون أكثر شجاعة تحت تأثير نور الكلمة.". فالقضية قضية بذّار للأمل. وربما كان الشاعر فولكر براون على حق أيضاً حين قال: وأظن ألا شجاعة دون وعي، فالوعي الذي تصنعه الكلمة هو الذي يحرر الطاقة الإبداعية البشرية من مكامنها لتصنع الحرية والعدل وتمهد لعالم أفضل، ولتضع الإنسان في زورق الأمن والسعادة مع الآخر وفي علاقة الوجود الحيوية معه. إنها لي وله في آن معاً وفي عالم لنا جميعاً. فمن المهم جداً أن تكون إنساناً وأن تعيش بحرية، وأن تكون واحداً منا، لنكون جميعاً في مجتمع له وجود ومعايير، في حياة تليق بالإنسان.". لقد تم التعبير عن هموم أخرى وعن اهتمامات وقضايا عديدة في المؤتمر، منها ما يتصل بالنقد الأدبي وبصعوبات النشر ذلك الذي يشكل تاريخه تاريخ الأدب ذاته، ويشكو في ألمانيا من غلاء وقلة إصدارات مما جعل بعض الكتاب يتساءلون بخبث قائلين: "هل هذه مشكلة تتصل بالاقتصاد أم تتصل بالسياسة الثقافية، أم أنها في الحصيلة عجائب ثقافية.؟!". وأي وسط ثقافي وأدبي لا يشكو مر الشكوى من مثل هذه الأمور في العالم؟! فهل الثقافة في حالة اضطهاد أم كمون في العالم النامي، شأنها في ذلك شأن الثقافة في العالم الذي يسعى إلى النمو.. أم هي حالة بؤس لحقت بثقافة عصرنا من ساسة عصرنا.؟! وأثيرت أيضاً قضايا تتصل بضرورة الإسراع في إصدار الكتب، وقضايا تتصل بالبيئة وبالدفاع الذي هو في النتيجة دفاع عن الحياة، وكلها أمور تتصل بالحياة عموماً وبالحياة الثقافية ومناخها ودروها وفعاليتها على وجه الخصوص، في ذلك البلد الذي قدم ما قدم للثقافة. وساد جو من الحرية والنظام والديمقراطية أكد لي جدارة الكتاب بمكانتهم وبدورهم، وبأن يكونوا مؤتمنين على الكلمة ورسالتها وتاريخها. وقبل أن أصل إلى نهاية هذا العرض الانطباعي الموجز عن الحياة الثقافية في ألمانيا الديمقراطية، من خلال المؤتمر العاشر للكتاب الألمان، أود أن أشير إلى قضية النقد الأدبي في سطور. أشار هرمان كانت في تقريره إلى أن هناك كتاباً مهمين يتناولهم النقد، وكتاباً مهمين لا يتناولهم، وهناك كتاباً غير مهمين ومن الطبيعي ألا يتناولهم والنقد، بهذا يمارس دوره مع وجود خلل يلمسه أولئك الذين يعيشون في الساحة الأدبية. وإذا كانت جميع الساحات الأدبية تنادي بنظرة موضوعية في النقد، وبرؤية إيجابية له، فالوضع في ألمانيا الديمقراطية لا يختلف عن أوضاع الساحات الأخرى.". ولكن يبدو أن لكل ساحة نقدية-أدبية معاييرها ومتطلباتها، ولا يمكن أن نغفل مقومات الذوق في مرحلة ما، وربما ما يسود من معطيات تكونه في عصر وبيئة، ذلك لأن النقاد على تواصل ثقافي مع المعطى العام للأيديولوجيات والسياسات إضافة إلى النظريات النقدية والعملية الأخرى. وعلى حين نجد مطالبة: بأن يكون الأدب واقعياً وأن يقاس بالأشياء الموجودة في العالم، نجد أولئك الذين يقولون: القصص موجودة في الشارع ويريدون أن يجمعوا الأدب في "كاتولوغات"، والأدب لا يجمع في "كاتالوغات"، ونجد من يطالبون النقد لا بالموضوعية وإنما يتمسكون بمذهب الواقعية النقدية، ويصرون على أن تكون بين الأدب والنقد من جهة وبين الواقع الاجتماعي من جهة أخرى علاقة صريحة. وفريق من الأدباء يريد أن يكون النقاد مثل الشرطة في الشوارع يرشدون الأديب ويساعدونه ويشيرون إلى الأدوات والأشياء الملائمة وغير الملائمة. ولكن التساؤل يرفع رأسه هنا: هل يقبل النقاد أن يكونوا مجرد شرطة مرور، أم أنهم يستمتعون بلعب أدوار أخرى: مثل المحقق والقاضي والسجان وربما الطاغية؟! وهل يرتاح الأدباء لنقد يحدد الأدوات والأشياء الملائمة؟! ألا يؤثر ذلك على حرية الإبداع لديهم.؟! تلك أسئلة يثيرها موضوع النقد أينما طُرح، وليس فقط تلك النقاط التي يثيرها حوار هامشي في مؤتمر الكتاب الألمان حول موضوع النقد. إلا أنني أتصور أن مشكلة النقد تبرز الآن في نوع من التبعية للأيديولوجيا خصوصاً وللسياسة عموماً، والمناخ الجديد يهيئ الفرص لطرح مشكلة النقد وتوجهاته والرؤية العميقة التي ينبغي أن تكمن خلفه، وتسهم في توجيه أفكار الناقد وتحددها معاييره، وتحكم أدواته.!؟ هل يبقى النهج السابق مفروضاً، أم أن تحرراً شاملاً من قوالب وقيود ونظرات ومناهج سابقة سوف يحدث، ويؤسس لثورة حيوية في جسم الأدب والنقد والإبداع بوجه عام؟! إن البوادر تشير إلى شيء من ذلك بدءاً من مؤتمر اتحاد الكتاب السوفييت الذي سبق، وبمواكبته لمناخ التغيير وإعادة البناء الذي حمله غورباتشوف إلى العالم الاشتراكي. لا شكوك عندي في أن مستجدات كثيرة سوف تطرأ على الساحة الثقافية في جمهورية ألمانية الديمقراطية، وعلى الأنواع الأدبية جميعاً، وسيشمل ذلك جوانب الحياة المختلفة، ويؤثر بحيوية وفعالية في توجهات الأدب والفن والنقد، وفي الحركة الثقافية عموماً، إلا أنه لن يكون التيار الذي يتنكر للموروث الحديث، ولا ذلك الذي يتمرد على كل ذلك الموروث. إن أفكاراً ومعطيات ومناهج سوف تتغير، وفي العمق الحقيقي منها، وسوف يكون مردود ذلك إيجابياً وحيوياً على الحياة الثقافية، إذا ما أحسن استخدام أدوات المناخ الجديد ومعطياته وشروحه، ونُظر إلى الدور الريادي للثقافة في التغيير وعمليات إعادة البناء، لأن كل تغيير يبدأ في الشخصية الثقافية بكل مقوماتها وقدراتها على التأثير وتغيير البنية القيمية وتوجه الوعي في الإنسان، وتوظيف المعطى المعلوماتي، ومن ثم المعرفي، لما فيه صلاح أمر الناس وأمر الحياة، وهذا ما أتوقع أن يحدث وبفاعلية وسرعة في الحياة الثقافية للبلدان الشيوعية، ومنها ألمانيا الديمقراطية التي ربما تبطئ قليلاً في إجراء التغيير، ولكنه سيكون أكثر عمقاً"[9]". ـ 5 ـ أرض الثقافة الألمانيّة
أذكر أنه عندما بدأنا الأعداد لإصدار عدد خاص عن الأدب المكتوب باللغة الألمانية، في مجلة الآداب الأجنبية، لاسيما في الألمانيتين والنمسا وسويسرا، اعترض الألمان الديمقراطيون على نشر أدب لكتّابهم في عدد واحد مع الألمان الغربيين، لأنهم يرون أن الثقافة في كل من البلدين مختلفة عن الأخرى ولا مجال للقاء. وكان أن نشرنا ملفاً خاصاً عن الأدب في ألمانيا الديمقراطية في عدد سابق من هذه المجلة، وقد أشرت في تقديمي لذلك الملف إلى حوار لي جرى مع كتاب في برلين الشرقية حول موضوع وحدة الثقافة الألمانية، وكان رأيهم في اتجاهين: فريق يؤيد وحدة الثقافة، وآخر لا يؤيد ذلك، ويرى أن الاختلاف السياسي والاختلاف في نظام الحكم أقاما أسس ثقافة مختلفة بين الألمانيتين. من وجهة نظري كنت أرى أن الأرضية الثقافية العامة، ولا سيما في مناهلها الرئيسة، هي أرضية مشتركة، نهل منها الجميع ونبتت عليها فروع الثقافة في ألمانيا: غوته وشيللر، كانت وشوبنهاور وهيغل وفيخته وهسه، بتهوفن وشومان، وغير أولئك كثير، حتى كارل ماركس نفسه، ولا يمكن أن يخترق مدى اللغة وحمولتها التاريخية ومدلولاتها معطى سياسي إلى حد أن يغيرها ويستنبت على جذعها ما ليس من تكوينها، مع الاعتراف بإمكانية أن تتم إضافات وأن توضح سمات تغني التجربة الثقافية وتزيد من انتشارها، أو تنبت فطوراً على جسمها تعيش على ذلك الجسم. ومرت شهور، واستيقظ العالم على حدث هز الدنيا وأدهش الناس: الألمان الديمقراطيون يهدمون جدار برلين، ورئيسا الدولتين الألمانيتين يخطبان من على منصة واحدة بمناسبة إعادة فتح بوابة براندنبرغ، والجماهير تطالب بوحدة ألمانيا، والشعب في الديمقراطية يتسرب في عروق الغربية من حدود الدول الأخرى، ثم من برلين ذاتها. ويسرع سفراء الدول الأربع: أميركا وروسيا وفرنسا وبريطانيا إلى الاجتماع في برلين لبحث أمور المدينة المقسمة، رمز البلد المقسم وغنيمة الحرب الثانية، ويسارع رؤساء تلك الدول لتذكير الألمان بالحدود وبجغرافية التقسيم التي دخلت التاريخ، وأصبحت هي جغرافية أوربا بعد الحرب. لم يكن الألمان، غربيون وشرقيون، هم الذين توقفوا عند هذا، ولم تقف ثقافة لهم أو معطى ثقافي من أي نوع في ثقافتهم ليعلن وجود شعبين لا يلتقيان، كانت العفوية والقومية والمشاعر الواحدة هي التي تتحرك على مساحة تلك الأرض، ولم تمنع أية حواجز سياسية واجتماعية، اشتراكية أو شيوعية أو سواها، تدفق الألمان عبر عروق ألمانيا من الشرق ومن الغرب. هواجس، بعض هواجس، كانت ترفع رؤوسها من آن لآخر عند بعض الأشخاص: النزعة النازية، هل ماتت لدى هذا الشعب، وهل هي موجودة عند البعض، وهل يمكن أن تعود؟! هل هي في العمق الثقافي، أي في التكوين، أم هي عابرة ملتصقة بنظام سياسي وبأشخاص وضعوا شعباً في تيار نفسي وعسكري وسياسي محدد، خلال فترة من الزمن، وتم استيعاب دروس تلك الفترة وعظاتها؟!. - الجانب الاقتصادي وإمكانية العيش بدخل محدود نتيجة لتفاوت قيمة العملة بين البلدين ومردود ذلك على الناس. إن الشرقي لا يمكن أن يشتري شيئاً بدخله من الغربية، وسيكون هناك حاجة وربما جوع إذا ما تمت العودة إلى النظام الرأسمالي. مثل هذه الهواجس والمخاوف ارتفعت في فضاء نفوس الألمان أو بالأحرى بعض الألمان، وبعض المتتبعين لهذا الحدث، وارتفعت كذلك في فضاء الإعلام، وخامرت أسئلتها نفوساً وعقولاً وشغلتها، ولكن فيض الحرية المشرق اكتسح كل كوابيس المادة، وأسئلة العقل. وحين يخير الإنسان بين الحرية والاشتراكية فهو يختار الحرية لأنها الأساس في تكوين الإنسان وحياته وجوهر وجوده، أما الاشتراكية فليست أكثر من نظام اجتماع وعمل واقتصاد وسياسة، قد تصلح بها الحياة وقد لا تصلح، ولكنها قطعاً لا تتوقف عليها، والشعب، أي شعب، يتمسك بها ويحرص عليها بمقدار ما تلبي احتياجاته وتؤمن وجوده وتحقق مستوى متقدماً لإنسانيته. تلك كانت الهواجس وبعض الأسئلة التي لم تعق الحركة في الاتجاهين. إن العقائد والفلسفات والأحزاب والإيديولوجيات والأنظمة والسياسات أتت لتكون في خدمة الإنسان والحياة، لا ليكون الإنسان في خدمتها على حساب وجوده وسعادته وحريته ومقومات حياته والقيم الحياتية ذاتها، وحينما لا تصلح حال المجتمع والفرد في ظل أي منها، يعاد النظر بها لا بالإنسان، وهذا ما ثبتت صحته، وفرض حتميته، بالرغم من التشدق بالحتميات والجدليات والعلميات التي لم تثبت أية صلة لها بالعلم. وتواصل أفراد الشعب الألماني على جسد برلين والألمانيتين، وعزفت الموسيقا، وتحرك الكلام في الأجواء ليحمل معنى وليحمل حقائق الحياة. وذلك التواصل أجبر النظامين السياسيين على التجاوب وتقديم التسهيلات، ونام الألمان الشرقيون في بواخر وساحات عامة وبيوت وفنادق ومخيمات، حسب القدرة والحاجة والإمكانية، وتغلبوا على مطالب معدهم ولكنهم لم يتغلبوا على تيار الحنين الذي شد كل فريق منهم باتجاه الآخر، ولا على رياح الحرية التي عصفت حتى بسور برلين، ولا على روح الثقافة التي كانت وراء ذلك كله، وهي التي دفعتهم إلى التسرب في شرايين البلاد من جميع الاتجاهات وحيثما أمكن ذلك، من دون تردد أو خوف.. إنها بلدهم التاريخي. هل تفسير ذلك ينحصر في مقولة قزمة "كل ممنوع مرغوب"؟! وكيف نفسر مواقف وأفعال الكثيرين الذين كانوا يرمون أنفسهم في النهر تحت تهديد القنص، والذين ابتكروا آلاف الوسائل لعبور الجدار، وحالات الذين ماتوا وهم ينشدون الانعتاق ويتطلعون إلى التواصل؟! إن لم يكن بالثقافة الواحدة والانتماء لأصل مشترك غذته أشعار غوته وشيللر، وموسيقا بتهوفن وأفكار كانت وبريخت، وتاريخ واحد لذلك الشعب تطفو على سطحه سياسات متضاربة من الرأسمالية إلى الشيوعية، ومن التسامح المسيحي إلى التعصب النازي، ولكنه يبقى تاريخ شعب واحد يمر في مراحل وتحولات ترسم ظلالها على أرضية الثقافية ولا تغير انتماءه المشترك إليها ولا قدرتها على التأثير فيه. لقد ازددت اليوم اقتناعاً بوحدة الثقافة الألمانية، وبقدرتها على تفعيل الشارع باتجاه الحرية والوحدة، واستمرار حيويتها وحياتها في ضمائر أولئك الذين يحملونها. وكانت هذه قناعتي بدور الثقافة عموماً وفعلها التأصيلي والتنويري والتحريري خصوصاً. أما عن التطرف والتعصب، وكمون التمييز والتفوق العنصري وقيم المجتمع النازي، فتلك أمراض يحملها نزوع مرضي وتحملها ثقافة وممارسات وأيديولوجيات لا بد من التصدي لها لدى كل من تولد لديه وتتكون عنده، وهي ليست في صلب التكوين الثابت للإنسان هناك، أي المستند إلى الدين والقيم بشكل متواصل عبر التاريخ.. وإنما هي حالات مرضية نمت وتضخمت عند بعض الألمان وسادت نزوعهم العام في فترة من الزمن، ولم تكن وقفاً عليهم"[10]". وشأنها ليس كشأن العنصرية الصهيونية التي ينبغي التذكير بها، تلك التي رافقت اليهود في منعزلاتهم "غيتو" وجعلتهم يتصورون أنفسهم شعباً مختاراً أعلى من الآخرين، ويستمدون ذلك من أوهام دينية وتاريخية، ويعاملون الآخرين، كل الآخرين، على أنهم أدنى منهم وأحط قيمة وقدراً.. تنفيذاً وتجسيداً لعقيدة هي حصيلة مقومات ومعطيات ثقافية توهمهم بأنهم فوق الناس، وأن "سلالتهم النازلة" من السماء يحق لها أن تستعبد وتستبيح أرواحاً ودماء وجهوداً وممتلكات وأموالاً، وأعراض سواهم من الناس، من أفراد "السلالة الصاعدة" من وحل الأرض وطينها وديدانها وحيوانها، أي "الغوييم"، فإذا كان النزوع الألماني للشوفينية- النازية- أو العنصرية، وليد مرحلة عابرة وثقافة سياسية معينة، فإن مثل ذلك النزوع عند اليهود هو نزوع قديم وأصيل وثابت، ويعتمد على قيم الثقافة العامة ومقوماتها. وهذا الفرق الجوهري ينبغي ألا تزوغ أبصارنا عنه، وألا نسكت عليه. لقد كانت مسكَنَة اليهود لكي يتمكنوا وعندما تسنى لهم ذلك فاقوا هتلر وتلامذته عنصرية تبدت في فلسطين المحتلة، ونحن نشهد يومياً ممارساتهم العنصرية ضد شعبنا الفلسطيني، تلك التي تستمر منذ أكثر من أربعين سنة، وتتصاعد في عصر الانتفاضة وسنواتها الثلاث. وهناك عنصرية أوربية أخرى ينبغي ألا نغفل عنها وهي عنصرية البيض في جنوب أفريقيا، ويوجد نزوعات عنصرية تنمو وتكبر أو تكمن وتضمر في حالات وأزمنة وبلدان، وترافق ظروفاً أو تنتج عن ظروف، ولكنها لا تدخل في صلب التكوين الثقافي- العقائدي- الديني- القيمي العام والثابت والمستمر، وإنما تكون ثمرة مُرَّة لثقافة سياسية معينة. وهذا النوع من النزوع المريض الموجود على نحو ما عند بعض الألمان لا بد أن يُحصر ويقاوم بالوعي المعرفي لحقوق الآخر ولشراكة الناس المطلقة في شرطي الوجود الإنساني والمصير الإنساني، ويجب ألا يُسكَت عنها، كما أنه من العدل ألا تعمم على جميع أفراد ذلك الشعب. وكل هذا يستدعي التأمل والتدقيق والدرس، ويستحق أن نبحث عن جذوره ومقوماته، لاسيما في الثقافة بمفهومها الشامل. إن تواصلاً ثقافياً وتفاعلاً معرفياً واعيين لأغراضهما وأهدافهما، بين الثقافات والحضارات، سيقودان حتماً إلى تفهم وتفاهم بين الشعوب وإلى معرفة أسلم وأدق لمقومات أمنها وسلامها وتعاونها، ولتأمين مصالحها ومتطلبات العيش المشترك في الحياة للناس كافة في عالم أصبح -بفضل وسائل الاتصال الحديثة- قرية كبيرة، وغدا مهدداً بأي فعل غير مسؤول يرتكبه أي من ساكنيه، سواء أكان ذلك التهديد موجهاً للبيئة أو للأخلاق والصحة العامة (مخدرات. أيدز... إلخ) أو للوجود البشري والطبيعة بسبب الأسلحة النووية والجرثومية والكيماوية، أو لنوع الحياة وشروطها ومواصفات العيش البشري على بقعة ما من الأرض، جراء تواطؤ أنظمة ضد شعوبها، واندلاق عُصاب أيديولوجيات وسياسات تريد أن تفرض على الناس مفاهيمها وحتمياتها "وعلميتها" و"ديمقراطيتها" و"فهمها" للحرية. وكل ذلك الذي تدعيه هو منها براء، والإنسان بفعلها شقي وبممارساتها أشقى، وبسبب من تعصبها يُدفع أو يندفع، إلى أنواع من الممارسات "العنصرية" البغيضة، والعقائدية المريضة التي تعمي وتصم. أشرت إلى هذا الذي أسلفت الحديث فيه، وأنا أقدم لعدد خاص، نحاول أن نقدم فيه لمحات من الأدب المكتوب بالألمانية، لاقتناعي بأن اللغة بدلالتها وحمولتها الروحية والفكرية والعاطفية، تكوّن عصب الشخصية الثقافية أو الخصوصية الثقافية لأمة من الأمم. وإذا جمع فئةً من الناس، إضافة إلى اللغة، دينٌ واحد وبيئةٌ جغرافية واحدة أو متقاربة في مواصفاتها وتاريخٌ مشترك، فإن ذلك لا بد أن يترك فيهم أثراً ظاهراً وسمة واضحة، ولا بد أنه يقرب بينهم، ويتيح البحث عن خصوصية وهوية مشتركة. وربما وجدنا شيئاً من هذا في الأدب المكتوب بالألمانية، لاسيما وأن الناطقين بها تجمعهم صلاتهم ونواتهم الرئيسة وهم في الألمانيتين وحدهما يصل عددهم إلى ثمانين مليوناً من البشر في وحدة جغرافية وتاريخية وثقافية واحدة. وقد نهجت هذه المجلة على تقديم أعداد خاصة، تتناول بشيء من التركيز، أدب بلد معين، في مرحلة محددة، بهدف التعريف به وإبراز بعض ملامح المرحلة التي يتناولها، والإشارة إلى التيارات والتوجهات والشواغل العامة فيه، بشكل موجز، يفتح الباب أمام المستزيد ليقصد الينابيع الأكثر غزارة وعذوبة، وليستكثر من زاد إذا أحبه بالوسائل المتاحة له. والغاية هي إحداث مناخ تفاعل وتواصل وتعارف أفضل، بين أدبنا وكتابنا من جهة وبين الآداب والكتاب والثقافات في البلدان الأخرى من جهة ثانية، وفتح نوافذ على الثقافات، وخوض غمار المثاقفة بوعي وثقة. والأدب المكتوب بالألمانية يحمل من الجدة والجدية ما يشجع على بذل مزيد من الجهد لترجمته والتواصل معه، ونحن لا نعرف الكثير عن الحركة الأدبية خصوصاً والثقافية عموماً في النمسا وفي أجزاء سويسرا الناطقة بالألمانية التي قدمت لنا فريدريش دورنمات وبيتر فايس، كما أننا لا نعرف الكثير عن حركة الأدب والثقافة في ألمانيا الاتحادية، فقد كنا أكثر تواصلاً مع الحركة الثقافية في الديمقراطية، وإذا كانت قد حكمتنا، كما حكمت جزءاً كبيراً من عالمنا -قبل عقد التسعينات هذا- نظرة محدودة نسبياً، تنعكس عليها أو فيها، وتفرضها وتفعل فيها، مواقف سياسية وثقافية سياسية، فلا يجوز أن يستمر ذلك، ولا يجوز أن يحكمنا ثقافياً وأدبياً ما يحكم السياسة بشكل مطلق. أن حركات الترجمة "المنتمية" أيديولوجيا والملتزمة بالالتزام الثقافي السياسي التي تحكمها عصبيات أيديولوجية، لا تضيِّق مجال الرؤية على نفسها فقط وإنما على الثقافة التي تنتمي إليها والتي تعمل من أجل إغنائها، وعلى الأمة التي تعد الترجمة لها عيناً ترى الآخر، ونافذة يدخل منها الريح والشمس. وفعل مثل الترجمة ينعكس سلبياً على الشعب والثقافة ومسيرة التفاهم والتعاون والسلام بين الشعوب، وإن شيئاً من إعادة النظر بالمواقف مطلوب للاطلاع على الجيد والجديد، من خلال رؤية أوسع وأشمل وأكمل للآخر في ثقافته وخصوصيته وقدرته على الإغناء والاغتناء. والبحث في هذا الاتجاه عن إبداع ومعرفة واجتهادات تقدم لثقافتنا، من الأمور المطلوبة والمرغوب فيها، باقتدار وحسن اختيار وبما يميز تمييزاً دقيقاً بين الغث والسمين، وبين السم والترياق، كما أن فتح باب التبادل في الاتجاهين، أخذاً وعطاء، من الأمور التي تنقصنا كثيراً. وآمل أن يكون إصدار هذا العدد من مجلة الآداب الأجنبية، المخصص للأدب المكتوب بالألمانية، ويدخل في إطاره ويتممه الملف الذي سبق ونشرناه في عدد سابق من المجلة عن الأدب في ألمانيا الديمقراطية، وعرّفنا على أعمال لأنا زيغرز، وبريخت، وهرمان كانت وسواهم، آمل أن يكون مفيداً ومحرضاً على بذل مزيد من الجهد على طريق التفاعل والتواصل مع ثقافة جادة، وفكر أثر كثيراً في ثقافة قرننا وحضارته، وأدب يحمل تجربة ثرية، ورؤية خاصة لشعوب من أنشط شعوب الأرض وأكثرها دأباً وقدرة على الانبعاث من رماد التاريخ والعصور.[11] * * * علي عقلة عرسان [1] : برلين- تشرين ثاني 1987. [2] ـ المادة 18 من الدستور في ألمانيا الديمقراطية -الثقافة في ألمانيا- اتجاهات ومصادر ص70. [3] ـ أيرش هونيكر 1981. [4] ـ الثقافة ص30. [5] ـ إيريش هونيكر 8/12/1987 [6] ـ إيريش هونيكر 16/12/1987. [7] ـ ورد هذا النص في بيان واشنطن الذي تلا اتفاقية /8/ كانون الأول 1987 التي نأمل أن تكون مدخلاً عريضاً لتصفية الأسلحة النووية والكيمياوية والجرثومية، وأن تأخذ بالاعتبار حقوق الشعوب بالعيش بسلام وحرية وعدالة وتقدم، ولاسيما في هذه المنطقة العربية التي مازالت تدفع الدم والجهد جراء أنواع الاستعمار منذ الحرب العالمية الأولى حتى اليوم. [8] ـ السيدة إيدا تسنر [9] ألقيت هذه المحاضرة في المركز الثقافي لجمهورية ألمانيا الديمقراطية في 12 كانون ثاني 1988 بدمشق. [10] ـ أليس مثيراً ومؤسفاً ومؤسياً ما يمارسه، أو يدعو إلى ممارسته الشعب البلغاري اليوم - وليس سلطته- ضد البلغار المنحدرين من أصل تركي. حيث يطلبون إليهم تغيير دينهم وثقافتهم وأسمائهم وعاداتهم وتقاليدهم، ويتظاهرون في الشوارع ضد القرارات الأخيرة لحكومتهم التي تردي أن تعود عن مثل هذه المعاملة العنصرية التي تنم عن نزوع فاشي؟! أين كان ذلك مستتراً؟! وماذا فعلت الشيوعية والاشتراكية، وماذا غيرنا إذن في هذا الشعب طوال السنوات الماضية، ألم تستطيعا مجرد إلغاء هذا النزوع العنصري أو أضعافه؟! ويحق لنا أن نتساءل هل ولّدتا أو نمّتا مثل هذا يا ترى؟!. [11] ـ نشرت في مجلة الآداب الأجنبية التي يصدرها اتحاد الكتاب العرب بدمشق ـ العدد 56 ـ عام 1988
|
|
| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث | |