| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

في بيجينغ مع د.بسام ود.ليلى

كان موعدي مع الدكتورة ليلي " تشي مين مين" في الساعة السابعة من يوم 24/10/2005 لنتحدث في أمور تريد أن تطرحها علي. هيأت نفسي، صليت بعد الوضوء بسرعة، وأخذت حقائبي ونزلت إلى بهو الفندق. كانت الساعة السادسة وثلاث دقائق. أنهيت بعض الإجراءات وتابعت القراءة في كتاب عن العلاقات العربية الصينية حتى قدمت الدكتورة ليلى.

فوجِئَت بأنني في البهو، وتبين أن بعض "سوء التفاهم" أدى إلى أن أترك الغرفة قبل موعد الانطلاق إلى المطار الذي حدد في العاشرة والنصف، ولكن الحصيلة كانت أمامي وهي حصيلة طيبة. ذهبنا إلى العشاء في مطعم قريب، أكلات صينية شعبية لا بأس بها، ثم عودة إلى مقهى حميمي الجلسة قرب الفندق حيث تناولنا القهوة مع الدكتور بسام الذي التحق بنا بعد دقائق من وصولنا.

كان الحديث جدياً ومفيداً وربما شابته حماسة للرأي.. تناولنا الاختلاف بيني وبينه حول لوشين، وكنت أخطئ في مرات سابقة في اللفظ الصيني بين لوشون و"لاوشه" الذي يكتب أدباً شعبيا وله مقهى باسمه في المدينة. الدكتور بسام من المدافعين عن مواقف لوشون " الفوضوية" التي دعا فيها إلى تدمير التراث، وأنا لست مع هذا واراه فوضوياً ساهم في الدعوة إلى تدمير ثقافي في متاحف أو كتب أو آثار.. وأن هذه الفوضوية المتأثرة أو التابعة لفوضويي الربع الأول من القرن العشرين قادت في معظم الحالات إلى نتائج وأفكار ومذاهب ليست بناءة بالقدر الذي يغطي عيوب دعوتها. وأنا رأيت فيما كتبت عن لوشون أنه كان على نحو ما مساهماً في أبوة الثورة الثقافية 1966 ــ 1978  التي تحمَّل منها الصينيون ما تحملوه، وأدانوها لأنها أتت على الكثير مما أنتجوه حضارياً وأعاقت تقدمهم لسنين، وعطلت الإبداع ودمرت إبداعاً وتراثاً حضارياً هو ملك الإنسانية، وعطلت عقولاً وكبلت إرادات، وتسببت في الكثير من الأخطاء والمخاطر على صروح علمية وتوجهات فكرية.

كان الدكتور بسام شوي تشينغ قوه قد أرسل لي رسالة بتاريخ 6/2/2000 حول هذا الموضوع بعد ندوة وحديث لنا في لقاء جمعنا في بيجينغ، وبعد قراءته لما كتبت حول الموضوع. قال الدكتور بسام في رسالته: " .. ولا يفوتني في هذا السياق أن أناقشك في موضوع مهم جداً، حيث طرحت سؤالاً مثيراً عن "لوشين" والنطق الأقرب إلى الصينية هو "لوشون"، حيث قلت أليس هذا هو الأب الروحي للثورة الثقافية على نحو ما؟ ! ألا تكمن دعوة ماو زي ديونغ للشباب وخوفه عليهم من أن يقرؤوا الشعر القديم ويتأثروا بالثقافة الصينية القديمة.. في دعوة لوشون وحماسته غير المدروسة وتأثره بفوضويي بداية القرن؟ إنه سؤال جديد على سمعي، ذلك لأنني ما سمعت مثل هذا الرأي وإن اختلفت الآراء حول لوشون بداية من يومه إلى يومنا هذا.

    وللإجابة على سؤالك أحب أن قول:

    أولاً: كان لوشون يعرف الثقافة الصينية والثقافة الغربية معرفة واسعة وعميقة، بل كان من أوسع وأعمق معاصريه معرفة وعلماً، حيث بدأ يدرس أصول الحضارة الصينية منذ طفولته حتى صباه، ثم انهمك في مطالعة وتحقيق التراثين الصيني والبوذي لسنوات كثيرة قبل كتابة قصته الأولى "يوميات مجنون"، وقد ذكر أو اقتبس في مؤلفاته كمية لا تحصى من الكتب الصينية القديمة. أما معرفته بالثقافة الغربية فتستدل من أنه قد قام بترجمة أو تحقيق 34 عملاً أجنبياً من اللغتين اليابانية والألمانية، وتتبين مطالعته الواسعة جداً للآداب والأفكار الأجنبية من مؤلفاته أيضاً. ولا شك أن هذه المعرفة الفريدة لثقافة أمته وثقافة الغير والمقارنة بينها مكنته من الوصل إلى تقييم بارد للثقافة الصينية. وعندما كان يبحث عن الأسباب وراء الصين المتخلفة عن ركب العصر والمتعرضة مراراً للغزوات الأجنبي، وشعبها الفقير الجاهل الضعيف، كان من المنطقي أن ينسب ذلك إلى الآثار السلبية للثقافة التقليدية، شأنه شأن كثير من رواد حركة رابع مايو الفكرية 1919. وكانت نتيجة بحثه هذه على جانب كبير من الصواب إذا اعتبرناها وليدة ظروف عصره، وإن نحن نرى اليوم ــ ونحن في ظروف أكثر طبيعية مقارنة إلى بداية القرن الماضي ــ أن في فكره ما هو أكثر من التطرف والتعميم بل التحامل على الثقافة الصينية بصفة عامة. إن الثقافة الصينية مثل الثقافة العربية أو ثقافة أية أمة أخرى هي مركبة معقدة بكل ايجابياتها وسلبياتها، لا يمك أن يغيب ذلك عن ذهن لامع كذهن لوشون، إلا أنه لم يقتنع بكونه أديباً أو فكراً، فينقد الظواهر والمسببات الثقافية نقداً عاقلاً موضوعياً، بل كن مقاتلاً أيضاً، يحرص على إيقاظ شعبه من السبات الذي طال وتخليصه من الأفكار والتقاليد التي لا تتماشى مع العصر، فلجأ ــ كما قال هو نفسه ــ إلى التطرف في التعبير بدلاً من الاعتدال حتى ينتبه لناس إلى خطورة الموقف.

    ثانياً: لم تكن الثورة الثقافية ثورة على الثقافة الصينية فحسب بل هي ثورة على الثقافات الأجنبية (حتى الإسلامية)، وعلى كل ما هو جميل وقيم في الصين. ولكن تبقى هناك نقطة مشتركة بين الأحزاب المتورّطة في تلك الثورة المخيفة وهي الطاعة العمياء للزعيم ماو زي دونغ. وليست الطاعة العمياء للأعلى إلا من أقبح المظاهر السلبية للثقافة الصينية التي هاجم عليها ــ " هاجمها" ــ لوشون أشد الهجوم. ويرى كثير من المثقفين الصينيين أن أثمن شيء في لوشون يكمن في روح التفكير الحر والمستقل التي كان يتحلى بها طول حياته، والتي ساعدته على مقاومة كل ما هو في نظره متخلف وظالم ومستبد. فأين الثورة الثقافية من روح التفكير الحر والمستقل هذه؟ وما كان الحرس الأحمر قد قرأ مؤلفات لوشون، فضلاً عن الأخذ بلب أفكاره،. لذا فمن المضحك بل المحزن أن يحمَد لوشون في الثورة على أنه تلميذ صغير يطيع أفكار الرئيس ماو !.

    ثالثاً: لقد تغيرت ظروف الصين اليوم تغيراً كبيراً عما في بداية القرن العشرين وعما في بداية الثورة الثقافية، إن معرفة الصينيين للعالم الخارجي، خاصة الغرب، لا يمكن أن تقارن بالماضي. فقد دخلت الصين اليوم تيارات غربية عديدة ــ ومنها المادي الغربية، بعد انفتاح لصين على العالم مادياً وفكرياً. ففي حين تقدمت البلاد تقدماً هائلاً اقتصادياً، تردى المستوى الأخلاقي للمجتمع إلى حد ما، ووجدنا أنفسنا أمام أسئلة كثيرة: كيف نحقق التنمية المتوازنة بين الماديات والمعنويات؟ كيف نحافظ على تراثنا وهويتنا الصينية في عصر الأنترنيت والعولمة؟ أي شيء كفيل بتقريب وجهات النظر بين الصينيين في البر الرئيسي وبين كونغ وماكو وتايوان وفيما وراء البحار حتى تتحقق الوحدة الصينية؟ من هنا تأتي الدعوات إلى إعادة رفع شأن الثقافة الصينية لخلق ثقافة جديدة أكثر توازناً واتزاناً. ولا شك أن هذه الدعوات صحيحة في جوهرها. وقد لا يكون من باب الصدفة أن نجد في الغرب الناضج مادياً وتكنولوجياً مثقفين يدعون إلى عادة النظر في قيم الثقافات الشرقية بما فيا الصينية. ولكن ذلك لا يعني أننا نستطيع إهمال تأثير السلبيات للثقافة الصينية في المجتمع الصيني اليوم، الذي لم يتخلص نهائياً بعد من كثير من العيوب السائدة في عصر لوشون. والمؤسف أنه ليس كل واحد ينظر في الموضوع نظرة معقولة، ثم إن الدعوات والنظريات أسهل من تطبيقها بمائة مرة.

    أخشى أني قد أطلت عليك يا دكتور، وأتمنى أن أسمع رأيك فيما قلت.

    أخيراً، ما أجمل كلماتك التي تختتم بها أطروحتك: " هذا الأدب" جعلني أقرب إلى شعوب الشرق وروحه ومعاناته وفضاءاته الغنية الساحرة، وفتح لي أفق التفاعل والواصل مع عالم غني بالمعاناة والنضال، فيه أصالة وتجربة في التعبير والتصوير، وجدة وجرأة في التفكير والتدبير، فيه فكر عميق ذو لون خاص وتجربة سياسية تركت بصماتها خطأ وصواباً، تقدماً وكفاحاً من أجل التقدم والتحرر والحديث...

    أقول ما أجمله لأنها ليست جميلة بحد ذاتها فقط، بل هي وصفت وصفاً حياً لما يجول في قلبي أنا بعد قراءتي للأدب العربي، لأننا على كل حال كما قلت: "شركاء الدرب الطويل والأمل المشرق، والتحديات المشركة، والتاريخ الحضاري العريق، والتطلع الإنساني النبيل، الذي يمكّن كل المحرومين والمستغلين والمنتهكة حقوقهم والمحتلة أراضيهم، والمناضلين من أجل حقوق عادلة ومعرفة متقدمة، وسعادة وحرية، لا يمكن العيش والتقدم إلا في فضائهما لرحب، يعيشون بأمل ويسيرون نحو التحرر والتقدم والنهضة الشاملة، بثقة وثبات.". مع أطيب تمنيات المخلص بسام شوي تشينغ قوه.

شكرت الدكتور بسام على رأيه وملاحظاته، وأشرت إلى الآتي:

1 ــ أنني أخذت برأيه في تغيير كتابة الاسم فجعلته " لوشون" بدلاً من " لوشين"، فهو الأعرف بلغته والشكر له.

2 ــ أشرت إلى سعة إطلاع لوشون على الثقافة والتراث في الصين وعلى ثقافات الغرب، ولم يكن تأثره بالفوضويين، الذي أشرت إليه، إلا نتيجة لهذا الإطلاع. وقد كان ذلك تياراً فكرياً سائداً، بل طاغياً، لدى طليعة مثقفة في الغرب في عصره. نعم إن حماسته النضالية قادته إلى أشياء قد لا يأخذ بها الباحث المتأني لوشون أو غيره إذا فكر بالنتائج البعيدة المترتبة على تدمير التراث الأدبي والفني..إلخ ، مثل الدعوة إلى إحراق كتب تراث كثيرة من أسرة كذا.. إلى أسرة كذا!.

3 ــ وافقته على أن الجيش الأحمر لم يقرأ لوشين، وتساءلت: متى كانت الجيوش تقرأ وتتخذ القرارات في ضوء القراءة الواعية المسؤولة؟ إنها تنفذ فقط وبطريقة غير مقبولة حتى لا أقول أكثر من ذلك.

4 ــ إن حرية لوشين واستقلاله الفكري والشخصي لا شك فيهما عندي، ولكن هذا لا يمنع أن يلتقي معه في فكره وحماسته مثقفون أو ساسة أو قادة يقرؤونه ويملكون رغبته في التغيير السريع والنهضة الشاملة، فينتهجون سبلاً لا تؤدي بهم إلى ما يتطلعون إليه.. وقد يغرون بذلك أشخاصاً لا يدركون الأفكار والأهداف جيداً. إنه لم يكن تلميذاً مطيعاً لماو زي دونغ بالمعنى الذي ذهب إليه صديقي العزيز الدكتور بسام، ولكن.. ألم يقل صينيون كثيرون إن هناك من كان يتصرف باسم ماو في أواخر أيامه، ومنهم " عصابة الأربعة."؟

5 ــ إن لوشون ينطلق من حرص كبير على الصين والشعب والثورة، ويعترض على التخلف بقوة، ويريد النهضة والتقدم والحداثة بسرعة.. ولكن فلننظر إلى السبل المنشودة وندقق في النتائج المتحققة على يدي من يتأثرون بالفكر والدعوة وينفذون بعشوائية.. ونسأل: كيف يفهم أولئك وكيف ينجزون؟. وعلينا من ثم أن نتذكر أن الذين وقفوا وراء الثورة الثقافية وممارساتها في الصين، كانوا يعتقدون ويعلنون ويقولون: إنهم يريدون التقدم والنهضة ليس للصين فقط بل للعالم.. لكن.. لكن.. هل كانوا على حق، وهل اكتشفوا السبيل الأقوم والأسلم المؤدي إلى النهضة والتقدم، وهل اتبعوه بعقلانية ومسؤولية ووعي كاف؟ وهل أسفر فعلهم على الأرض عن نتائج إيجابية؟ إن الفعل الناجز على الأرض يحدد في النهاية مصداقية التفكير والتطبيق وسلامتهما، ويساهم في الحكم لهما أو عليهما. وأخيراً لا تكفي النوايا الطيبة للنجاح وسلامة الخيارات والنتائج، وعندنا قول موجز مفاده: " أن جهنم مفروشة بالنوايا الطيبة". الصينيون يقتنعون الآن بما كان من المحرّم الحديث فيه قبل عقود.. وفي الختام شكراً يا دكتور بسام.

وبعد مناقشة دقيقة ومكثفة حول لوشون بدا أنه وافقني على أن التوجه الثوري مقبول ولكن على ألا يدمر ما هو ملك الشعب والتاريخ من مراحل وأشخاص وتراث. لوشون قد يكون على صواب في تطلعه الثوري ويرى في التقاليد والعادات والمقدسات الصينية معوقاً للتقدم ولكن أسلوبه في معالجة الوضع مدمّر، وربما كان تطلعه مشروعاً ولكن حماسته الكبيرة تريد أن تحرق المراحل فتحرق معها التراث والذاكرة وربما الناس.

كان من شواغل الدكتور بسام موضوع التعامل مع الماضي وكيف يمكن أن نتجاوز المعوقات.. قلت لدينا ما هو متشابه، أنتم لديكم محرمات ومقدسات في الماضي قد تكون التعاليم الكونفشيوسية أحدها وكذلك الأعراف والتقاليد الاجتماعية التي ترقى إلى المقدس والمحرم. ونحن لدينا مثل هذا ويتصل بالمقدس وهناك ممنوعات ومعوقات. ولكن ليس كل ما هو من الماضي محكوم عليه وليس سليماً وهو معوق للتقدم وينبغي استئصاله، وليس بالضرورة صالحاً وقابلاً للحياة في كل الأزمان. هذه النزعة الاستئصالية مفزعة، وهناك إرهاب فكري عند بعض الأحزاب والأيديولوجيات والتنظيمات، وقد عانينا من ذلك في النصف الثاني من القرن العشرين بصورة كبيرة على يد الميليشيات الثقافية لتلك الأيديولوجيا وتنظيماتها. ماو صحح لماركس واختط طريقاً صينياً قد لا يكون جديداً ومغايراً لماركس مئة بالمئة ولكنه جديد وصيني.، في الصين يمكن أن ينتقدوا ماركس، وهو يخطئ ويصيب ولا مانع من توجيه النقد إليه بل ينبغي أن يناقش وينتقد، هو بنظري ليس أقل من أفلاطون طوباوية وإن جاء عن طريق المادية وجاء أفلاطون عن طريق المثالية.. لقد التقيا في الطوباوية. كل لديه معرفة بمشكلاته وحلولاً يقتضيها عصره ومجتمعه. لقد تجاوز الناسُ والزمن ماركس والماركسية من بعض زوايا النظر، وانكشفت أخطاء قاتلة له ولها.. فلماذا هذا التقديس والتعامل مع الماركسية بوصفها ديناً؟ ولماذا ندافع عن الخطأ، وهل ماركس يملك عصمة من نوع ما تضعه فوق الخطأ؟ أنا لا أرى ذلك، اللهم إلا إذا أراد مريدوه أن يتعاملوا مع هذا اليهودي كما يتعامل " المجتمع الدولي" مع الكيان الصهيوني فيضعه فوق الخطأ والمساءلة والقانون. ماو زي دونغ تجاوز ماركس والماركسية في أشياء فرضها عليه الواقع والانتماء الصيني.. ولذلك كان للصين طريقها الخاص للاشتراكية ونظريتها الخاصة. الفلاحون صنعوا الثورة الصينية وقادوا التحولات في الصين، وهم متهمون عند ماركس بوصفهم طبقة أدنى من العمال وأنانية، وقد دفع الفلاحون على يدي ستالين ثمناً باهظاً لتمسكهم بالأرض والأصالة "الطبقية الفلاحية" إن صح التعبير. كان ماو يحافظ على كثير من التقاليد الخاصة بالمجتمع الصيني، وحماسته للشعر التقليدي وكتابته لشعر بالطريقة التقليدية هو انتماء لمجتمع وهوية وخصوصية، ودفاع عن ذلك على نحو ما. ليس كل ما هو قديم يجب استئصاله وهو معوق للتقدم.. فقد يكون في الكثير من المعاصر كثير من الفوضى والتدمير، وما رسخته الأجيال عبر تجارب طويلة ومؤلمة وعميقة ينبغي أن نحترمه وندقق في تعاملنا معه وحكمنا عليه، قبل أن نصدر أحكاما سلبية أو إيجابية بحقه.

هناك تقاليد وأعراف ينبغي تجاوزها وهناك ما ينبغي المحافظة عليه منها. إن معياراً نقدياً يستند إلى مفاهيم ومصطلحات وقيم واحتياجات وخصوصيات ثقافية هو ما ينبغي أن نتوصل إليه لنعرض عليه الماضي عبر توازن وتكامل معرفي وروحي وعلمي واجتماعي.

القدم الصغيرة للمرأة الصينية مثلاً أمر ينبغي تجاوزه لأنه يعارض الطبيعة والصحة والجمال ولكن موضوع الأسرة واحترام الكبار وسلطة الأب وليس استبداده المطلق.. كل ذلك لماذا ندمره؟ هل نتبع الغرب فيما دمره أو دعا إلى تدميره اتباعاً أعمى.. التقدم العلمي لا يقتضي مثل ذلك والحداثة لا تستدعيه بالضرورة، وتدمير الأسرة في الغرب يكلف الناس الكثير. هناك ظروف في الغرب فرضت أشياء على المرأة والمجتمع : الحربان العالميتان الأولى والثانية أخرجتا المرأة من خصوصية البيت ومن أنوثتها في حالات ودفعتها إلى ما تكرهه وما أصبح اليوم نظرية في التحرر. التحرر شيء والانحلال شيء آخر، وتدمير الأسرة والقيم في المجتمعات الشرقية ضار بروحيتها وخصوصيتها وتربية أبنائها. لا نفهم التحرر على أنه انحلال.. والانحلال الخلقي قدم نتائج وأمراضاً كثيرة وخطيرة منها الإيدز مثلاً. البشرية انتقلت من الغابة والحالة الحيوانية والحرية الطبيعية إلى المدينة والقرية المجتمع الحضري والنظام والحرية الوضعية وتنظيم الأسرة.. وكان ذلك إرثاً إيجابياً للبشرية فلماذا ندمره على نحو ما بالقضاء على قيم ومقومات رسخت في تقاليد شعوب وعاداتها وقوانينها. فلنحاكم منطقياً وليكن لنا موقف نقدي على أسس موضوعية ومعرفية في إطار مسؤولية اجتماعية وقومية ودينية وإنسانية، ولنصل إلى تجاوز ما ينبغي تجاوزه من أجل التقدم والسعادة والحضارة والإنسان وليس من أجل تجسيد شعار التدمير على طريق التقدم.. ألا نعرف كيف نتقدم من دون أن ندمر؟ وما الذي يضمن لنا أن ما نراه تقدماً من وجهة نظر بعض الأشخاص والنظريات هو في صالح الإنسان والحضارة فعلاً؟ قد نخطئ نحن المعاصرين كما أخطأ غيرنا من الماضين. إذن لا بد من الانفتاح وتحكيم العقل والمنطق ذي المعيار الموضوعي.

كونفشيوس مثلاً، ليس كل ما قاله خطأ أو معوق للتقدم، ولا ينبغي أن نقول لأنه قديم هو مرفوض.. الخير والشر قديمان وما زال الخير خيراً يتعلق به أشخاص والشر شراً يمارسه أشخاص، وحكم القيمة على كل منهما مختلف عن الآخر.

بدا على الدكتور بسام الرضا والموافقة الاتفاق، وكانت الدكتورة ليلى موافقة بحماسة على كل ما أبديته من رأي.

أخذت فنجانين من القهوة بينما كنت أتكلم، عندما يطيب الحديث ويوجد جو ملائم للحوار، وتلتقي عقول وإرادات منفتحة على منطق، تشعر بقيمة الإنسان والمنطق والحوار، وبمعنى الفهم وقيمة الإدراك والآخر، وتفهم الصواب والخطأ.. في مثل ذلك المناخ وتلك اللحظات يلتقي الإنسان بالإنسان أياً كان الموقع الجغرافي والمنبع المعرفي والانتماء القومي والاعتقاد الروحي والهوية الثقافية. الإنسان يكتشف الإنسان والروح تقف في مجتلى النور لترى الروح وتعانقها وتسير معها في ربيع الزمن وربيع المعرفة والقيم.

دمشق في 12/2/2010

علي عقلة عرسان

 

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |